استعادة إرادتنا الوطنية

بينما يلف الغبارُ المشهدَ، وتنعقُ الغربانُ على الخراب، وتتحرك ألسنٌ عميت عن صواب القول، وخرست أن تشدَّ من أزر الحادبين على صون كرامة البلاد وأمنها واستقرارها، ثم تُصرُّ على حمل معول الهدم لتتآكل جدران الأمل، يتردد صدى سؤالٍ مُلحٍّ وبصوتٍ عالٍ في كل بيتٍ سوداني: أين الإرادة الوطنية؟ لقد باتت هذه الكلمة، التي كانت يومًا نبضًا حيويًا في شرايين أمتنا، مجرد ذكرى عابرة يحملها الطير المهاجر، كما في رائعة بازرعة في كل موسم، أو كحلم بعيد.
ففي خضمّ الصراعات المتناسلة والمستشرية كسرطانٍ ينخر جدار الأمة المتهالكة، والتدخلات المنحطة المتزايدة، كأن السودان حديقة خلفية لهم،
يبدو أننا فقدنا البوصلة التي توجهنا نحو مستقبلٍ مشرقٍ واعد. لكن الحقيقة المؤكدة هي أننا لم نفقدها بعد، فهناك متسع من الوقت والحنكة السياسية والحكمة، بل هي رهن إشارتنا لاستعادتها.
إن استعادة الإرادة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المحافل، وتتشدق به الألسن المريضة الخرقاء، بل هي رحلة شاقة تتطلب تضافر الجهود وتوحيد الصفوف. هي إدراك عميق بأن مصيرنا بأيدينا، وأن لا أحد سيبني سوداننا سوانا. تبدأ هذه الاستعادة من الفرد، نعم من الفرد، من إيمان كل مواطنٍ وقناعاته بقدرته على إحداث التغيير، مهما بدا ضئيلاً. تتجلى في رفض اليأس، وفي الإصرار على التفكير النقدي الذي يُميز بين الغث والسمين، بين ما يخدم الوطن وما يُمزقه.
ثم تمتد من الفرد رويدًا رويدًا لتشمل جموع المواطنين بسحناتهم وتبايناتهم ومعتقداتهم ومشاربهم الفكرية والسياسية، من خلال نبذ الخلافات الهامشية، ووأد التقاطعات المُخِلّة التي تهدم جدار الإرادة الوطنية، إلى التركيز على القواسم المشتركة. فالسودان، بتنوعه الثقافي والعرقي، وبذات موروثه، هو لوحة فنية عظيمة تحتاج إلى إطارها وإلى كل ألوانها لتكتمل. إن إرادتنا الحقيقية تتجلى في قدرتنا على التسامي فوق الجراحات، لا على الأطماع الشخصية الضيقة المُهينة، وفي التطلع إلى بناء مستقبلٍ يضمن الكرامة والعدالة للجميع. هي أن ندرك أن بناء الأمة لا يتم بالهدم، وأن التقدم لا يتحقق بالفرقة.
لقد آن الأوان لكي نستيقظ من سبات اليأس، ونعيد تشكيل سرديتنا الوطنية — يجب أن نؤمن بأن السودان يستحق الأفضل، وأن أبناءه قادرون على تحقيقه. إن استعادة الإرادة الوطنية تعني أن نرفع رؤوسنا عاليًا، وأن نصنع قرارنا بأنفسنا، وأن نقف سداً منيعاَ أمام كل من يحاول العبث بمستقبل أجيالنا. إنها دعوة للعمل، للبناء، ولإعادة رسم خارطة طريق تقودنا إلى سودانٍ مزدهر، سودانٍ يرفل في ثوب العزة والكرامة. فلنبدأ اليوم، فالإرادة الحرة تبدأ من هنا، من كل فردٍ فينا.
هل ترغب في نسخة بصيغة PDF أو Word أيضًا؟



