أعمدة

الأرشيف روح ذاكرة الأمة

 

تحسر في جميع مستويات الدولة على الدمار الذي خلفته الحرب اللعينة، من تدمير للبنية التحتية وخراب ممنهج للمؤسسات، ومن بين تلك الأماكن التي دمرت أوارق مبعثرة، منها صالح ومنها تلف بسبب سوء الحفظ… باختصار، مستندات الدولة بين حطام المؤسسات.

قبل الحرب، قليل من المؤسسات كان يعطي أهمية بالغة لحفظ الوثائق والمستندات الرسمية الخاصة بها بكلية أو بصورة مهنية وعلمية، بل كان هناك إهمال واستهتار واضح، بدءًا بعدم تعيين مسؤول مختص في جانب الأرشيف، وكل من تغضب عليه الإدارة العليا تحوله للأرشيف!

الأرشيف مكان لحفظ الملفات والسجلات والوثائق أو أي مواد لها قيمة تاريخية.

للأرشيف أهمية عبر التاريخ. شهد التاريخ الإنساني دمار أجزاء مهمة في التراث الوثائقي العالمي بفعل الكوارث الطبيعية والبشرية كالحروب وخلافها، وفي الوطن العربي مثلاً تعرضت مكتبة الإسكندرية بمصر القديمة إلى حريق دمر المخزون التراثي الهائل في ذلك العصر، حتى أصبحت الوثائق بعد الحريق ركامًا وقصاصات ورق يتعذر تمييزها.

وقد قذف التتار والمغول الكتب والوثائق التاريخية في عاصمة الإمبراطورية العربية الإسلامية، بغداد، في النهر حتى إسودت مياه دجلة حيث اختلطت بالأحبار لعدة أيام. وتتعاقب الدول والأسر الحاكمة في مشرق الوطن العربي ومغربه، فكأن مصير وثائق الدول القديمة التي انقضى عهدها يؤول غالبًا إلى الإبادة التامة ولم ينجُ إلا القليل. وأما هذا الخطر المستمر الذي أحاط بوثائق الدولة، فحفظ الوثائق الرسمية للأجيال القادمة كان أحد الهموم الأساسية لرجال الدولة على مدى العصور.

وعندما ننظر إلى التاريخ في الدول العربية، نجد أن رجال الأرشيف كانوا يحتلون أفضل المواقع في الإدارة الحكومية، وكذلك نجد أن الدول المتقدمة تتعامل باحترام كبير مع العمل الأرشيفي، وتعطيه معناه الديناميكي المتكامل، على عكس ما هو متعارف عليه في البلدان العربية اليوم، حيث النظر دونية للعمل الأرشيفي وتعامل معظم المؤسسات الرسمية والخاصة مع الأرشيف على أنه عمل غير مهم.


ماهية الأرشيف الإلكتروني

مفاهيم الأرشيف الإلكتروني:
هي الأوراق الرسمية التي أنتجت أو وردت إلى الجهاز الإداري من خلال مزاولته لعمله.

التطور التاريخي للأرشفة الرقمية:
مر الأرشيف الرقمي بثلاث مراحل أساسية:

  • المرحلة الأولى: تعود إلى ما قبل الثمانينات من القرن العشرين، حيث كان التركيز على أرشفة السجلات نصف النشطة التي تتطلب حاجة العمل حفظها لحين الرجوع إليها عند الحاجة.
  • المرحلة الثانية: تبدأ بعد الثمانينات وحتى التسعينات من القرن العشرين، حيث لم تعد الرقمنة تقتصر على السجلات نصف النشطة، بل امتدت لتشمل السجلات النشطة والتاريخية.
  • المرحلة الثالثة: بدأت من عام 1994م مع ظهور وثائق النصوص الفائقة HYPER Text مثل ملفات HTML وXML، والصور الرقمية والصور المحولة رقمياً عن طريق الماسح الضوئي، وشيوع استخدام الملفات النصية MS Word وPDF.

أهداف الأرشفة الإلكترونية:

يتمثل الهدف في مواجهة التدفق الهائل لأنواع الوثائق التي ظهرت مؤخرًا مع تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كرسائل البريد الإلكتروني وغيرها. الأرشفة الإلكترونية تساعد في سرعة معالجة الوثائق، وتخزينها، وتكشيفها آليًا، وحفظها في أكثر من نسخة أصلية، وتوزيع هذه النسخ على مختلف أنواع المستفيدين في المنظمة. ولا يستطيع الأرشيفي بمفرده ترتيب ملايين الوثائق بدون وجود أرشفة آلية تساعد في فهرستها وإتاحتها للمستفيدين، وكذلك الحفاظ على الطابع الإلكتروني للوثيقة الرقمية.

كما تهدف الأرشفة الإلكترونية على المدى البعيد إلى بلوغ أرشيف بلا ورق وتحويل الوثائق الورقية إلى رقمية لما في ذلك من مميزات كان من المستحيل تحقيقها في الأرشيف الورقي، منها إمكانية الوصول إلى الوثائق وإتاحتها عبر الشبكات، مما يمكن الباحثين من مختلف دول العالم من الاطلاع عليها في وقت واحد والحصول على نسخة منها.


حقائق حول الوثائق الرقمية:

إن الوثيقة الرقمية لها طبيعة مختلفة عن الوثيقة الورقية. فالوثيقة الورقية لها شكل ثابت ومحدد، ولها وجود مادي محسوس، بينما الوثيقة الرقمية تتخذ أشكالًا وصيغًا متعددة Formats، فليس لها شكل ثابت، فهي كيان هلامي ليس له وجود مادي في الواقع. وأيًا كان الشكل الذي تتخذه الوثيقة الرقمية، فمن الضروري الحفظ على خصائصها الأساسية التي تولد لحظة إنشائها.


كما ذكرنا، إهمال جانب إدارة المعلومات في المؤسسات أمر مزعج للغاية ولا يُحمد عواقبه، ويصيب الكثير من الضرر، وكذلك إدارة الأرشيف بحاجة إلى تطوير فوري والاهتمام بها من أعلى الجهات بالدولة، ورقمنة كل إدارة أرشيف في المؤسسات، وقبلها التأكد من وجودها والإدارة التي تديرها متخصصة في جانب المكتبات والمعلومات، حتى لا نصاب مرة أخرى كما في الحرب اللعينة.

مسؤولية مشتركة تبدأ برئاسة الدولة ومسؤولي المؤسسات الحكومية بمختلف مسمياتها، بالتنسيق مع دار الوثائق القومية ومؤسسات المعلومات الرقمية.

الإسراع في مشروع أرشفة وثائق ومستندات الدولة لإدراك ما تبقى منها ورقمنتها يجب أن يكون مشروعًا قوميًا استراتيجيًا، ومن أولويات الدولة.

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى