
يمرّ السودان اليوم بمرحلة دقيقة هي الأخطر في تاريخه الحديث، مرحلة يتقاطع فيها الداخل والخارج، وتتشابك فيها مصالح الدول مع أطماع الشركات العابرة للقارات. وبين هذا المشهد المعقّد، يقف الفريق أول عبدالفتاح البرهان، قائد الجيش، بثباتٍ ومسؤولية وطنية عالية، أمام ضغوطٍ دوليةٍ وإقليميةٍ متزايدةٍ تسعى لفرض ما يُسمّى بـ“سلام الذلّة والمهانة”، بحجة إيقاف الحرب ووقف نزيف الدم.
لكن الحقيقة التي يدركها كلّ وطنيٍّ غيور، أنّ هذه الحرب لم تكن خيارَ السودان، بل فُرضت عليه من قوى داخليةٍ وخارجيةٍ أرادت أن تُبقيه في دائرة الضعف والاضطراب، حتى تظلّ موارده الطبيعية الهائلة — من ذهبٍ وبترولٍ وزراعةٍ وثروةٍ حيوانيةٍ — رهينةً لإرادة الآخرين، تُستخرج وتُستغل وفق ما يحدّدونه هم، لا ما يقرّره أبناء الوطن.
لقد اختار البرهان موقف التاريخ، فرفض الانصياع للابتزاز الدولي، وواصل قيادة معركة الكرامة والسيادة حتى تحرير كلّ شبرٍ من تراب الوطن من ميليشيا الجنجويد وداعميهم. موقفٌ يجد تأييدًا واسعًا من أبناء السودان في مختلف ربوعه، الذين أدركوا أنّ معركة الكرامة ليست معركة الجيش وحده، بل قضية وطنٍ بأكمله.
وفي المقابل، فإنّ دعم هذا الموقف لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالعمل الجادّ لحشد كلّ الطاقات — الفكرية، الاقتصادية، الإعلامية، والمجتمعية — من أجل بناء قوة داخلية صلبةٍ قوامها الإنتاج. فالأمن الغذائي هو ركيزة الاستقرار السياسي والسيادة الوطنية، وهو المعركة الثانية التي لا تقلّ أهمية عن معركة التحرير.
إنّ الاستثمار في الزراعة بشقّيها النباتي والحيواني، وتطوير الصناعات المرتبطة بها، يمثّل المدخل الحقيقي لبناء اقتصادٍ وطنيٍّ مستقل. وهذا يتطلّب خطواتٍ عملية تبدأ بتوفير مدخلات الإنتاج للعروة الشتوية، وتسعير محاصيل العروة الصيفية بأسعارٍ عادلةٍ تشجّع المزارع الذي ظلّ يزرع رغم قسوة الظروف وتقصير الدولة.
السودان اليوم على أعتاب مرحلةٍ جديدة، لن تُرسم ملامحها في غرف المفاوضات الخارجية، بل بعرق أبنائه في الحقول، وبصمود قواته في الجبهات، وبوعي نخبه التي تؤمن أنّ السيادة لا تُمنح، بل تُنتزع.
إنها لحظة فاصلة بين أن نكون أو لا نكون، ولا خيار أمامنا سوى الثبات خلف قيادتنا الوطنية، والمضيّ بعزيمةٍ لا تلين نحو وطنٍ حرٍّ كريمٍ تسوده العدالة والإنتاج والكرامة.



