الجزيرة تحت المجهر: كيف تخطط وزارة المالية لاستعادة الاقتصاد وتحسين الخدمات؟
تقرير:تاج السر ود الخير

في ظل تداعيات الحرب على ولاية الجزيرة، بدأت ملامح خطة طموحة تظهر لإعادة بناء الاقتصاد وتثبيت دعائم الخدمات الأساسية. وفي حديثه لـ(الجزيرة نيوز)، كشف وزير المالية بالولاية، الأستاذ عاطف أبوشوك، عن جملة من السياسات والإجراءات التي تتجه بها الحكومة نحو إنعاش الموارد، دعم البنية التحتية، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، وسط تحديات معقدة يفرضها الواقع الميداني والسياسي في السودان.
تحقيق الاستقرار المالي رغم التحديات
أوضح أبوشوك أن الوزارة تمكنت، رغم صعوبة الأوضاع، من توجيه الإنفاق نحو الاحتياجات العاجلة، لا سيما في مجالات المياه، الكهرباء، الصحة، والتعليم. وأكد أن جميع المشروعات التي خُطط لها نُفذت، بما في ذلك الامتحانات القومية، مضيفًا أن نسبة تحصيل الإيرادات بلغت 88% للنصف الأول من العام، في حين بلغت بالمحليات 73%، ما عُدّ إنجازًا بالنظر إلى الظروف المحيطة.
ونوّه إلى أن الدعم الاتحادي تم توجيهه أساساً لتغطية تعويضات العاملين، وقد نجحت الحكومة في الإيفاء بسداد المرتبات بنسبة 100%. كما أشار إلى مساعٍ لتوسيع مظلة الإيرادات عبر تضريب البدلات الخاصة بالعاملين، في خطوة تهدف لتحسين أوضاعهم دون ضغط مباشر على الميزانية.
الطاقة والمياه.. أولويات الإنعاش
وبيّن الوزير أن حكومة الولاية ركزت على مشروعات الطاقة الشمسية لتوفير المياه والكهرباء في المناطق المتأثرة، حيث تم تنفيذ أكثر من 1300 محطة طاقة شمسية تخدم الآبار والمراكز الصحية. وقد تجاوزت تكلفة هذه المشاريع 8.8 مليار جنيه، مما يعكس حجم الاستثمار في البنية الأساسية.
وأضاف أن الولاية دعمت شركات الكهرباء بتوفير زيوت ومحولات للمرافق الحيوية، بتكلفة 3.3 مليار جنيه، لتسريع استعادة التيار الكهربائي. وأكد أن المستشفيات العامة بدأت في العودة إلى العمل تدريجيًا بعد صيانة المعدات، مع التطلع لإعادة تأهيل كل المؤسسات الصحية قبل نهاية العام.
إنعاش الأسواق وضبط الأسعار
قال أبوشوك إن الحركة التجارية عادت تدريجيًا إلى الولاية منذ فبراير، بعد تحرير مدينة ود مدني، مشيرًا إلى أن الغرفة الاقتصادية ساعدت في تسهيل انسياب السلع وتوفير التصاريح اللازمة لتحريك الأسواق. وأضاف أن الغرف التجارية لعبت دورًا مؤثرًا في إعادة الدورة الاقتصادية.
لكن، ورغم هذا النشاط، لا تزال الأسعار تتأثر بالتقلبات العامة، خاصة في ظل استمرار الحرب وصعوبات النقل والتوريد، لا سيما من ميناء بورتسودان، بسبب الإضرابات ونقص الاستقرار في البحر الأحمر. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار بعض السلع، كالسكر والدقيق المستورد، نتيجة ارتفاع الدولار الجمركي وتكلفة الترحيل.
وفي سبيل مواجهة ذلك، أكد الوزير أن الولاية ألغت جميع الرسوم على السلع داخل الجزيرة، وأوقفت تصاريح خروج السلع لضمان وفرتها في الأسواق المحلية، وهي إجراءات ساعدت في خفض معدلات النقص، رغم استمرار الشح في بعض المواد.
الشركة السودانية للسلع تعود للعمل
نوّه أبوشوك إلى أن الشركة السودانية للسلع بدأت مؤخراً في استئناف نشاطها بعد توقف طويل بسبب الحرب. وأشار إلى أن الولاية وفرت للشركة المخازن والدعم اللوجستي اللازم لتوزيع السلع عبر الجمعيات التعاونية، بما يسهم في تحقيق التوازن المطلوب في السوق، خاصة للسلع الأساسية التي تعاني من نقص أو تلاعب في الأسعار.
إصلاحات عاجلة في البنية التحتية للخدمات
وفي معرض حديثه عن واقع الخدمات، أكد أبوشوك أن الولاية لم تفرّق بين الوحدات الولائية والاتحادية في تقديم الدعم، ما دام المستفيد هو المواطن. ولفت إلى أن الوزارة دعمت مستشفيات ومراكز صحية مثل مستشفى الكلى ومركز المناظير، وساعدت شركات الكهرباء في شراء مستلزمات الصيانة.
وأشار إلى أن المواطنين يطالبون بسرعة تشغيل المؤسسات الصحية والخدمية، وعدم الانتظار لحلول قادمة من المركز، لا سيما في ظل استمرار الحرب وتزايد الضغوط على الخدمات.
التزامات مالية ومنهجية جديدة للسداد
أوضح وزير المالية أن الوزارة بدأت في سداد المديونيات التي تراكمت قبل الحرب، رغم التحديات المرتبطة بتغيّر الأسعار. وأكد أن العمل يسير بتنسيق محكم مع وزارة التخطيط العمراني، حيث تُعد الدراسات والتكلفة والمستندات الفنية، فيما تتولى المالية الترتيبات المالية عبر لجنة عليا للشراء والتعاقد.
وأشار إلى أن جميع المشروعات في هذه المرحلة قصيرة الأجل، ويُصرف عليها وفقًا لشهادات الإنجاز، ما يمنع تراكم الديون ويحقق انضباطًا ماليًا يُراعي واقع الأسعار المتغير.
من الورقي إلى الرقمي: تطوير نظام الدفع الإلكتروني
قال أبوشوك إن التحصيل الإلكتروني توقف منذ أبريل 2023 بعد تعرض السيرفرات للتلف، ما اضطر الولاية للعودة إلى نظام التحصيل الورقي مؤقتًا. لكنه أضاف أن الوزارة أوقفت الدفع النقدي واعتمدت الدفع عبر تطبيقات البنوك، لكل من الإيرادات والخدمات، وحتى في المدفوعات الحكومية.
ونوّه إلى أن محدودية سقف التحويلات ما تزال عائقًا أمام بعض المعاملات، لكن هناك تنسيقًا مع بنك السودان لرفع هذه الحدود تدريجيًا، بما يُسهم في تسهيل حركة الأموال وتقديم الخدمات بسلاسة.
مفوضية جديدة للاستثمار بعقلية اقتصادية
أشار أبوشوك إلى أن المفهوم الجديد للاستثمار لا يقتصر على تخصيص الأراضي، بل يتضمن تحفيز النشاط الاقتصادي عبر القطاع الخاص، من خلال مشاريع زراعية، صناعية، وخدمية. ولهذا الغرض، تم إنشاء مفوضية استثمار مستقلة يرأسها خبير اقتصادي، لتحفيز بيئة الاستثمار وتسريع الإجراءات، مع تقديم حوافز حقيقية.
نحو إدارة مستقلة للصناعة
كشف الوزير عن تشكيل لجنة فنية لدراسة مقترح إنشاء إدارة مستقلة للصناعة، استجابة لتوجيهات اتحادية، على أن تُفصل مهام الاستثمار (ما قبل التشغيل) عن مهام الصناعة (الإشراف على التشغيل والإنتاج). وأكد أن هذه الخطوة تأتي في وقت تواجه فيه الصناعة المحلية تحديات كبيرة بسبب الحرب، مما يتطلب دعمًا إدارياً وفنياً متخصصاً
تعافي الموارد رهين بالإنتاج
أكد أبوشوك أن الإيرادات العامة تعتمد بدرجة أساسية على دخل المواطنين، ولا يمكن تحقيق موارد مستقرة دون تحفيز الاقتصاد. وأشار إلى أن الولاية بدأت في تقليل الدعم الموجه للجبهات لصالح مشاريع الإعمار والخدمات، رغم أن بعض الدعم ما زال مستمرًا في مناطق النزاع.
وقال إن تنشيط القطاعات الإنتاجية يُعد أولوية مطلقة، خاصة في ظل ضعف الموارد وتباطؤ الدورة الاقتصادية.
زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء: ملفات تنموية في الانتظار
أشار الوزير إلى أن زيارة رئيس مجلس الوزراء المنتظرة للولاية ستمثل فرصة لعرض واقع الدمار الذي خلفته الحرب، وجهود الإعمار الجاري تنفيذها. وأوضح أن التركيز خلال الزيارة سيكون على مشروع الجزيرة، الموسم الزراعي، المناطق الصناعية، واستثناءات الطاقة للمصانع.
وأكد أن اللقاء مع الجهاز التنفيذي سيبحث سبل تجاوز العقبات التي تعترض طريق التعافي، لا سيما في البنية التحتية والكهرباء.
توسّع صناعي دون المساس بالرقعة الزراعية
قال أبوشوك إن التوسع في المناطق الصناعية تم بمراعاة الرقعة الزراعية، حيث جرى التنسيق مع مشروع الجزيرة لإنشاء مناطق جديدة مثل مارنجان، النابتي، ومخططات أخرى جنوب الجزيرة. وتم اتخاذ خطوات لإزالة السكن العشوائي وتوفير الخدمات، مع الاتفاق على عدم التوسع العشوائي خارج المساحات المتفق عليها.
الجزيرة تمتلك كنزاً لم يُستغل
أكد أبوشوك في ختام حديثه أن ولاية الجزيرة ما تزال تحتفظ بإمكانات اقتصادية كبيرة غير مستغلة بالشكل الأمثل، سواء في الزراعة أو الصناعة أو الخدمات. ودعا إلى تطوير الصناعات التحويلية بدلًا من تصدير المواد الخام، والاستفادة من الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي للولاية في دعم اقتصاد البلاد ككل.




