أعمدة

الرعاية الاجتماعية في الولايات.. “عمدة بلا أطيان”

 

الرعاية والضمان الاجتماعي في الولايات باتا عنواناً عريضاً بلا مضمون، وواجهةً خدميةً منزوعةَ الصلاحيات، بعد أن جرى سحب أهم الملفات والمؤسسات والصناديق التي كانت تمثل عصب العمل الاجتماعي وأدواته التنفيذية. فصناديق الضمان، كديوان الزكاة وصندوق التأمين الصحي، تدار اتحادياً، ثم سُحب من وزارة الرعاية الاجتماعية ملفا الحج والعمرة، وجاءت الضربة الأخيرة بسحب الإشراف على مفوضية العون الإنساني في بعض الولايات . وهكذا تحولت الرعاية الاجتماعية في الولايات إلى «عمدة بلا أطيان».

المفارقة المؤلمة أن هذه الوزارة، لو تُرك لها مجال الفعل، لكانت الأقدر على معالجة الخلل وإزالة التشوهات في أداء منظومة الحماية الاجتماعية. تشوهاتٌ يعرفها الناس جيداً، تبدأ من تكوينات اللجان القاعدية التي تظلم مستحقين حقيقيين، ولا تنتهي عند تسرب موارد الضمان إلى غير مستحقيها. كان الأجدر إصلاح المنظومة من الداخل، لا تجريد الوزارة من أدواتها، وكأن الخطأ في الوعاء لا في طريقة الإدارة.

في جلسةٍ سابقة، شكا لي وزيرُ رعايةٍ ولائيٌّ بمرارةٍ سحبَ الإشراف على الحج والعمرة ومفوضية العون، وكيف أفضى ذلك إلى وزارةٍ بلا موارد، وبلا قدرةٍ على الحركة، وبلا أثرٍ يُذكر في حياة الفئات التي أُنشئت من أجلها. شكوى لا تخص وزيراً بعينه، بل تعكس خللاً بنيوياً في طريقة نظر الدولة إلى وزارات خدمية بعينها.

وهنا نصل إلى جوهر الإشكال: النظرة القاصرة إلى وزارات كالرعاية والثقافة، والإعلام، باعتبارها وزاراتٍ غير إيرادية، وكأن قيمة الوزارة تُقاس بما تُدخله من أموال لا بما تُحدثه من أثر. صحيح أن الصحة والتعليم قد يكون وضعهما أفضل نسبياً لما لهما من فسحةٍ في الإيرادات، لكن السؤال الأكبر: هل تُدار الدولة بمنطق «الإيرادي» و«غير الإيرادي» فقط؟

هذه النظرة أفرزت واقعاً مختلاً على مستوى الفاعلية والإنجاز، بل وحتى على مستوى مخصصات العاملين. تمييزٌ مخلٌّ في البدلات وطبيعة العمل، لصالح وزارات بعينها، على حساب أخرى لا تقل مشقةً ولا خطورةً في مهامها، لكنها لا تدر مالاً مباشراً. والنتيجة جهازٌ تنفيذيٌّ غير متوازن، ومعنوياتٌ متدنية، وخدماتٌ لا ترقى لتطلعات الناس.

يبقى السؤال مفتوحاً، ومُلِحّاً: هل سيأتي يومٌ تُراجع فيه هذه السياسات، ويُعاد الاعتبار لوزارات الرعاية والحماية الاجتماعية، وتُزال هذه التشوهات الشنيعة؟ أم ستظل الرعاية الاجتماعية في الولايات عنواناً بلا فعل، ووزارةً بلا موارد، ووجهاً حزيناً لفشلٍ إداريٍّ مزمن؟

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى