القنوات الولائية ما بين اهتمامات الولاة وبراعة الحواة!!

عقب اندلاع الحرب في الخرطوم، وبحكم الارتباط الأسري بالجزيرة، انتقلت مع أسرتي إلى طيبة الشيخ عبدالباقي ليتقاسموا هناك مع أهلهم المأوى، وبقينا حتى سقوط ود مدني في تلك الليلة المشؤومة.
وتم خلال أشهر وجودي هناك، بقرار من واليها آنذاك، تكليفي بأعباء المستشار لوزارة الثقافة والإعلام بالولاية، والمستشار لهيئة إذاعة وفضائية الجزيرة، والأخيرة هذه عندما باشرت العمل فيها أدهشني ما آل إليه حال الهيئة العريقة التي كانت إذاعتها يتابعها الناس في الولايات الأخرى، خاصة برنامجها الصباحي الشهير، والتي تعاقب عليها أميز المدراء، كما اندهشت من حال التلفزيون الذي قفز للفضاء في عهد الوالي إيلا، الذي كان مهتماً بالثقافة والإعلام، والذي قبيل انطلاقته زارنا في قناة الخرطوم مديرها الأستاذ الأمين وداعة للاستفادة من تجربة تحول الخرطوم من تلفزيون أرضي إلى فضائي.
وسعدنا بعد ذلك بانطلاقة الفضائية، والتي لم يخفت بريقها إلا بعد مغادرة إيلا للولاية.
لأتفاجأ بعد عملي بها بأنها تعمل ببراعة الحواة لتقول إنها موجودة وحية لم تمت، وأن مديرها الأستاذ عبيد لا يتوفر له ما ينتج به البرامج، وأن أغلب العاملين أُبعدوا أو ابتعدوا، لا فرق، لعدم توفر مستحقاتهم، ووجدت أن القناة ليس بوسعها أن تقدم أي برنامج أو نشرة إخبارية على الهواء، وأن الاستديو المباشر صار محل ذكريات تحكي.
كما لمست الخلاف بين مدير الهيئة وأمين عام الحكومة، ووجدت أن القناة في ظل انعدام الإمكانات يلجأ العدد المحدود الموجود بها إلى إرسال المواد المسجلة إلى المنصة في تركيا لتبدأ عملية البث من هناك، وبعد تحرير ود مدني وجدت القناة نفسها ليس بإمكانها حتى ممارسة طريقة الحواة التي كانت تتبعها قبل السقوط لتقول إنها موجودة، وأن والي الجزيرة المجتهد الطاهر إبراهيم في إعادة إعمار كل شيء لم يلتفت لقناته، معتمداً على بث أخباره عبر قنوات الآخرين، والجزيرة الإذاعة والتلفزيون التي تخرج منها أفذاذ الإعلاميين الذين ملأوا دنيانا ألقاً لسنوات طويلة عبر الأجهزة القومية، الآن تمتلك إذاعة بلا أثر وتلفزيون غير قادر على أن يطل ليقول أنا موجود.
على عكس الخرطوم القناة، التي استطاعت أثناء سيطرة المليشيا على أغلب الولاية وتدميرها لتلفزيونها، لقناعة حكومتها بأهمية أن يكون لها صوت وصورة حاضرة توصل بها ما يدور للعالم، وفرت لها في ظل تلك الظروف الصعبة مقراً جديداً في منطقة آمنة، ومعدات وكوادر، وجعلت صوتها وصورتها لا يغيبان طوال الحرب.
وعلى ذكر القنوات الولائية، نجد نهر النيل عندما شعرت بضعف قناتها أعفت مديرها، ونفضت عنها الغبار، ومكنتها من العودة للحضور من جديد.
وظلت قناة الشمالية صامدة، تمثل قمة الإشراق للقنوات الولائية في صمودها وروعة منتوجها، والذي وراءه الاهتمام من الحكومات المتعاقبة بالولاية.
أما قناة البحر الأحمر، التي كانت من أميز القنوات الولائية، والتي قفزت للمقدمة في عهد مزمل سليمان حمد، والتي أوقفت بعد الحرب ليعمل تلفزيون السودان من مقرها وبواسطة أجهزتها وعدد من كوادرها، تعمل حالياً على العودة من جديد بعد تعيين مدير جديد لها قبل أيام، وتوفير الولاية لمطلوبات عودتها.
أما كسلا القناة، ما يزال أهلها يحلمون بأن تكون مثل كسلا في جمالها وروعة أهلها، والتي ظلت تمشي وتقيف مع تعاقب الحكومات، والآن تعيد ترتيب خطواتها لتكون على قدر تحدي بأن تكون بروعة كسلا الوريفة، ولاية الإبداع والمبدعين والجمال.
وبمبدأ ما فيش حد أحسن من حد، تكمل القضارف هذه الأيام ترتيباتها لإطلاق قناتها في العام الجديد.
وهذا الواقع الذي تعيشه القنوات الولائية المرتبط بمدى اهتمام الوالي بالإعلام ومؤسساته، هو الذي جعل القنوات الولائية في الحالة، وزاد من حالة الإرباك قرار مجلس الوزراء الأخير غير المدروس بإعادة تبعية القنوات والإذاعات الولائية للهيئة القومية، التي نفسها بحاجة إلى حائط تستند عليه لتمشي.
والمركز في ظل الحكم الاتحادي مهمته السياسات والتخطيط والعلاقات الخارجية والتدريب، وليس عودة الهيمنة على المؤسسات الولائية.
فليته يكتفي بوضع السياسات التي تجعل الأجهزة الإعلامية الولائية تخدم أهداف إنشائها، ويجعل كل الولاة يهتمون بأجهزتهم الإعلامية المحلية، ويعينها بالتدريب واستمرار المرتبات الذي يوفره المركز لكل العاملين بالولايات، مع توفير الدعم اللوجستي الممكن عبر العلاقات الخارجية.



