الممثل إبراهيم خضر (كوميك) : المسرح وسيلة للتعافي.. و”التعايش السلمي” قضيتي في الدراما

حاوره : عاصم الأمين
في زمن تصاعدت فيه آلام السودانيين جراء الحرب والتشريد، برزت الحاجة إلى صوت فني يعكس وجدان الناس ويقدم للفن دوراً اجتماعياً ونفسياً عميقاً. الفنان والمخرج المسرحي إبراهيم خضر، الذي برز اسمه في مشهد الدراما والمسرح السوداني، فتح قلبه في حديث صريح لـ”الجزيرة نيوز”، وتناول قضايا المسرح، وواقع الدراما، والتحديات التي تواجه الفنانين، خاصة في ظل الحرب وتداعياتها.
من الجمعية الأدبية إلى الخشبة
بدأ إبراهيم خضر مشواره الفني من النشاطات الثقافية والجمعيات الأدبية في المدارس، وتطورت تجربته عبر الدورات المدرسية، ليتحول لاحقًا إلى تدريب طلاب المرحلة المتوسطة وتقديم عروض مسرحية في الهواء الطلق، تحديدًا في حديقة البلدية. كانت هذه البدايات بمثابة اللبنة الأولى لتكوين شخصية مسرحية مختلفة.
لكن الاكتشاف الحقيقي لموهبته جاء على يد المخرج المعروف الأستاذ عباس حديبه، الذي رأى فيه طاقة تمثيلية كبيرة، ووجّهه نحو احتراف التمثيل. لاحقًا، شارك في أول عرض مسرحي بعنوان البشارة، من تأليف محمد ميحي الدين، وكان ذلك من على خشبة مسرح الجزيرة، بمشاركة نجوم من فرقة وتحبوبة تحت إدارة الأستاذ أسامة سالم.
فرقة الأحبة ومسرح الشارع
التحق خضر بفرقة “الأحبة” التي تُعد امتدادًا لفرقة المكي بقيادة عوض عمر، حيث خاض فيها تجارب مسرحية متنوعة. من أبرزها تجربة “مسرح الكارو”، الذي عُرف بعروضه المباشرة وسط الأسواق. هذه التجربة تركت أثراً خاصاً في وجدانه الفني، إذ وجد فيها تواصلاً مباشراً مع الجمهور وملامسة حقيقية لهمومه اليومية.
المسرح في مواجهة الحرب والتشظي
يرى إبراهيم خضر أن السودان يمر بمرحلة انتقالية حساسة بعد موجات النزوح واللجوء التي فرضتها الحرب، ما خلق واقعًا اجتماعيًا جديدًا، مليئًا بالحواجز النفسية والتعقيدات المجتمعية. في هذا السياق، يؤكد أن المسرح ينبغي أن يكون أداة فعالة لتجاوز هذه الجراح، ليس فقط للترفيه، وإنما للتعافي والتوعية.
“نحن بحاجة إلى مسرح يخرج إلى الناس، يذهب إلى أماكنهم، يُعالج مشاكلهم النفسية، ويوظف الفن كوسيلة تعافي”، يقول خضر، مضيفًا أن على الفنانين أن يعملوا يدًا بيد مع المخرجين، الكتاب، والمختصين في الصحة النفسية لتقديم أعمال تُداوي الجمهور وتبث الأمل.
ويشدد على أن التعايش السلمي هو القضية الأكثر إلحاحاً الآن، وعلى المسرح أن يرسّخ هذا المفهوم، لا بالشعارات، بل بأعمال تحاكي واقع الناس وتخاطب وجدانهم.
جمهور المسرح.. موجود رغم التحديات
رغم الظروف القاسية، يؤمن خضر بأن المسرح لم يفقد جمهوره، وإن كانت الحركة المسرحية قد تراجعت بفعل ضعف التمويل والدعم الحكومي. لكنه يرى أن المسرح السوداني لا يزال يحتفظ بروحه، وأن الإرادة الفنية موجودة رغم العوائق، مع محاولات متواصلة لإعادة إحياء هذا الفن.
التلفزيون والدراما.. ما زال الطريق طويلاً
وحول واقع الدراما التلفزيونية، يرى خضر أن القنوات السودانية لا تعطي الفنان حقه الكامل، باستثناء قناة الشروق والتلفزيون القومي اللذين قدما بعض الأعمال الجادة. ويأسف لأن معظم الفنانين يُستدعون فقط لبرامج موسمية أو مناسبات، دون استثمار طويل الأمد في الدراما.
وفي تقييمه للفنانين الشباب بعد العام 2010، يقول: “أعداؤهم هم من لا يؤمنون بالفن وقيمته، سواء من داخل الوسط أو خارجه”. ويحث الجيل الجديد على تجويد المحتوى وتقديم أعمال تعبّر عن هموم الناس وتساهم في ترقية الذوق العام.
خريج إخراج.. لكن معروف كممثل
يُذكر إبراهيم خضر أنه حاصل على بكالوريوس في الإخراج من كلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان، وشارك في عدة مشاريع كمخرج، لكنه يعرف أكثر كممثل. يؤكد أنه يحمل مشروعاً لتقديم أعمال توعوية في قرى الجزيرة خاصة فيما يتعلق بمخاطر الخريف والأمراض الموسمية.
الحرب وتأثيرها على الفنانين
تحدث خضر بأسى عن تأثير الحرب، قائلاً إن معظم الفنانين اضطروا للنزوح إلى الخارج، وأن الحركة الدرامية داخل السودان باتت محدودة جداً. لكنه مع ذلك لم يتوقف عن العمل، حيث قدم أعمالاً درامية في دور الإيواء ببورتسودان، وأطلق سلسلة درامية بعنوان كدي وكدي على اليوتيوب، لاقت قبولاً واسعاً .
ويرى أن الفن في لحظات الانكسار الوطني له دور مهم في بث روح الوحدة ونقل الوعي، لا كترف، بل كضرورة مجتمعية ونفسية. المسرح في رأيه يجب أن يكون مرآة للمجتمع، وصوتًا ينقل معاناته ويشاركه أحلامه.
أحلام مؤجلة.. ودراما تنتظر الفرصة
سألناه: لو أُتيحت لك فرصة إنتاج مسلسل تلفزيوني ضخم، ما القضية التي ستتناولها؟
فرد دون تردد: “التعايش السلمي. هي القضية الأهم الآن، وهي الأساس لأي استقرار قادم”.
وكشف أنه يحتفظ بعدد من النصوص الجاهزة، لكن شح الإنتاج يعوق تنفيذها، مبيناً أن كثيراً من المشاريع الفنية تُعلّق بانتظار التمويل والاهتمام المؤسسي.
دراما توثق الحرب؟ ليس بعد
في رده على سؤال حول دور الدراما في توثيق مآسي الحرب، أجاب بأن تقديم صورة حقيقية لما حدث في السودان خلال الحرب لا يزال صعبًا في ظل ضعف الإمكانيات. “نحاول فقط أن نعيد تصوير المعاناة بشكل لا يزيد من الضغط النفسي على الناس، إلى حين توفر بيئة إنتاج احترافية”.
ويُشدد على أن التوثيق لا بد أن يتم عبر أعمال مدروسة، يقدمها متخصصون، حتى لا تُشوَّه الصورة أو تُستغل المعاناة في مشاهد سطحية.
الدراما السودانية والعالم
يقول خضر إن السودان لا ينقصه شيء لصناعة دراما منافسة، لا من حيث المواقع، ولا النصوص، ولا الكوادر. “ينقصنا فقط الإنتاج، والدعم الرسمي”، مضيفاً أن الدراما يمكن أن تكون أداة قوية لتسويق البلاد وثقافتها ومنتجاتها إلى العالم، إذا وُجدت إرادة واستثمار حقيقي.
الفن والإدارة.. من يصنع من؟
وعن سؤال حول ما إذا كانت الدراما بحاجة إلى ثورة فنية أم إلى إدارة جيدة، يقول: “الثورة لا تحدث بدون إدارة واعية. الإدارة هي التي تصنع مناخ الثورة الفنية”. ويوضح أن الفنون بطبعها عمل جماعي، والإدارة الواعية هي التي تستطيع تنظيم وتوظيف الفن كوسيلة اقتصادية وثقافية حقيقية.
ويضيف: “درامتنا يمكن أن تُروّج لأجمل ما نملك — من الزراعة، للأزياء، للثقافة، للحضارة. لكن من دون إدارة رشيدة، كل ذلك يظل حبيس الخيال”.
كلمة أخيرة
يعتذر خضر للجمهور عن الغياب القسري، ويعد بأن الفنانين سيعودون بقوة. يختم رسالته بدعوة للفنانين الشباب بأن يتمسكوا بالإبداع الحقيقي، وألا ييأسوا من التحديات، فالرسالة أكبر من العقبات.
إبراهيم خضر ليس مجرد فنان، بل هو صوت يسعى لأن يكون المسرح دربًا للتعافي، وأن تُصبح الدراما مرآة للوجدان السوداني في زمن تكثر فيه الانكسارات. حديثه يوقظ الأمل، ويمنح الفن بُعده الأعمق: أن يكون ذاكرة الأمة وصوتها في مواجهة المحن.




