أعمدة

حين تحمي “الإرادة” بقايا العشب!

​في المشهد السوداني المزدحم بالانكسارات، ثمة حقيقة مدهشة تتخلق خلف غبار المعارك؛ فالكل يراقب “القوى” التي تتناطح في ساحة المصالح، لكن أحداً لا يلحظ “خلايا النحل” التي ترمم جسد الوجود تحت وطأة الأقدام الثقيلة. إنها “هندسة الخفاء”؛ الفن الصعب الذي يديره جندي مجهول، ومؤسسة وطنية صامدة، وإرادة حرة لا تقبل الانهزام؛ يحملون جميعاً “خريطة النجاة” في تجاعيد الكف وجاهزية الروح.

​وهنا يجب الفرز بصرامة؛ فبينما تتصارع “الفيلة” على حطام المكاسب، يقف الجيش مرابطاً كـ “جدار صد” أخير يحول دون انهيار الهيكل، وتسنده إرادة شعبية حرة ترفض الارتهان لغير ترابها. هؤلاء ليسوا جزءاً من الصراع العبثي، بل هم “المبتدأ والخبر” في جملة البقاء السوداني. هم الذين يديرون “كيمياء التفاصيل المستحيلة”؛ محولين “العدم” إلى “حياة”، و”الخوف” إلى “طمأنينة” مستقطعة من فم العاصفة.

​إن الجسارة الصحفية اليوم تكمن في القدرة على التمييز بين “ضجيج المتصارعين” وبين “ثبات المؤسسة” وصمود الإنسان. أولئك الذين يديرون التفاصيل خلف الستار، بعيداً عن “فلاشات” التوافقات الهشة، هم من يطوون المسافات بين “وطنٍ يُشتهى” و”واقعٍ يُجتهد لترميم انكساره”. منصتهم ليست شاشات الأخبار، بل “ضمير الأرض”، ولغتهم هي “الفعل السيادي” الذي يسد ثقوب الحاجة ويحرس الثغور قبل أن تبتلعنا جميعاً في ثقب النسيان.
​لقد أثبت الوجع الراهن أن “المحركات المستوردة” غالباً ما تعجز عن فهم تضاريسنا المعقدة، بينما تظل “الإرادة الوطنية الخالصة”—المتمثلة في مؤسساتنا وجنودنا المجهولين—هي التي تدير عجلة البقاء.ا

لإبداع المسكون في هذا التناول يكمن في إدراكنا أن هؤلاء هم الحراس الحقيقيون لـ “الأمانة الجمالية” للوطن؛ يديرون “المستحيل” دون أن يطلبوا ثمناً، ويصنعون “النصر” بالذود عن حياض الأرض لا بالسطو على أحلام الناس.

​إن الانتصار العظيم القادم لن يُوقّع بمداد الحبر فوق طاولات القصور، بل سيعلنه مداد العرق الذي سال في خنادق الصمود، ويقين الإرادة التي لم تنكسر. سيكتب التاريخ أن السودان لم ينجُ بمناورات الصاخبين، بل ببراعة أولئك الذين أمسكوا بـ “خيوط الظل” وحرسوا “العرين” حين ادلهمّت الخطوب.

​والآن، ليس السؤال الجوهري هو: من سيهزم الآخر في حلبة الفيلة؟ بل السؤال الذي يصفع وجه الصمت: من سيستحق شرف الوقوف على أرضٍ، لولا تضحيات “المجهولين” وجسارة “المؤسسة” وعناد “الإرادة”، لَمَا بقي فيها عُشبٌ يُذكر، ولا وطنٌ يُشتهى؟

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى