أعمدة

خنقها التسييس وأجهز عليها الفساد.. هل تنهض الخدمة المدنية في السودان من جديد؟ (2-2)

 

 

السودان بلد أرهقته الحروب والنزاعات السياسية، تآكلت فيه مؤسسات الدولة وتدهورت الخدمة المدنية التي كانت يومًا ما نموذجًا في الانضباط والكفاءة. اليوم، تحوّلت إلى عبء ثقيل يرهق المواطن قبل الدولة، ولكن هل يهناك أمل في إنقاذها؟ وهل يكفي مجرد الحديث عن الإصلاح، أم أن الأمر يتطلب ثورة إدارية حقيقية تُعيد للخدمة المدنية إلى الطريق الصحيح.

استعرضنا في الجزء الأول من هذه المادة أوجه التدهور والفساد الذي ضرب الخدمة المدنية في السودان، وعوضنا أمثلة من واقع الحال، وقد وصلتنا العديد من الرسائل تفاعلاً من القراء والمهتمين تعكس أمثلة حية على ما ذهبنا إليه، يذكر أحدهم أن التجاوزات في الاختيار للوظيفة العامة تجاوزت كل الأعراف والقيم والقواهد حتى المدن السودانية تعرف أن آل فلان يسيطرون على المؤسسة الفلانية لأنك تجد الأب والأم والابن والبنت وربما الحفيد يعملون في ذات المؤسسة فكيم تم تعيينهم وهل كلهم أكفاء وهل خضعوا لمعايير الاختيار؟

وأحدهم يخبرني أن مدير مصلحة مهمة ولائية يعين إحداهن في وظيفة بدون أي إجراءات خاصة بالاختيار ثم يتزوجها بعد شهور!

وآخر يشير إلى سيطرة مجموعة تنتمي لمكون سياسي واحد تسيطر على مقاليد العمل في المشروع الزراعي الكبير الشهير والغريب في الأمر أنهم من الفصائل التي خالفت إرادة الشعب ووقفت مع المليشيا ومنهم مم عاونها في الإدارة المدنية ولكنه السودان يا أحباب.

ويصبح السؤال الملح: ما العمل؟ كيف ننتقل من مرحلة التشخيص إلى البناء؟ والجواب علي هذا أنه لا بد من التخطيط السليم المرحلي والاستراتيجي لإعادة بناء خدمة مدنية قوية ذات كفاءة، بعيداً عن التسييس والمحاصصات والجهويات والأسريات.

فعلى المدى القصير (6 أشهر – سنة) هناك ضرورة ملحة لتشكيل مفوضية إصلاح الخدمة المدنية لتكون مستقلة، وتضم خبراء غير حزبيين واتمنى أن تكون ضمن أولى المجالس والمفوضيات التي أشار إليها رئيس الوزراء وهو يبشر بحكومة الأمل المدنية.

وكذلك لا بد من مراجعة شاملة لقوائم الموظفين لحصر العمالة الوهمية، ووقف التوظيف غير القانوني، مع إصدار قرارات فورية بإبعاد كل من تم تعيينه خارج لوائح الخدمة أو بوساطة سياسية أو جهوية أو اسرية.

ثم رفع الحد الأدنى للأجور تدريجيًا وتحسين بيئة العمل داخل المرافق الحكومية وقد اتصل بي أحد الموظفين وقال لي أن مرتبه وهو في الدرجة السابعة لا يصل لستين ألفا في الشهر وتسأل كيف تطلب مني أن أودي عملي بكفاءة ومرتبي لا يملأ لي أنبوب الغاز.

ولرفع الكفاءة يجب إطلاق برنامج تدريبي سريع يشمل موظفي الإدارات في التعليم، الصحة، والمالية.

أما على المدى المتوسط (1–3 سنوات) فجيب إعادة هيكلة الوزارات والمؤسسات بما يقلل من التداخل والازدواجية وإدخال نظام تقييم أداء إلكتروني يتضمن تقارير فصلية للمؤسسات والموظفين.

وإعادة تفعيل لجنة الاختيار للخدمة المدنية بعد إصلاحها وضمان شفافيتها وابعادها من التسييس، وإطلاق بوابة إلكترونية موحدة للتوظيف تُعلن فيها كل الوظائف الحكومية بشفافية.

ولابد كذلك من بدء رقمنة المعاملات الحكومية تدريجيًا لتقليل الاحتكاك البشري والفساد،

أما على المدى الطويل (3–5 سنوات) فثمة حاجة لإجراء إصلاح كلي للتشريعات المنظمة للخدمة المدنية لتتماشى مع العصر الحديث ومتطلبات الحوكمة.

والعمل على أسيس معهد قومي لتأهيل الكوادر الحكومية يرتبط بالتقييم والترقية وربط الحوافز بالأداء الفعل وليس بالأقدمية أو العلاقات.

في هذه المرحلة يجب إصدار قانون مكافحة الفساد الإداري بشكل صارم، وتفعيل الأجهزة الرقابية بحماية قانونية تامة.

 

خاتمة:

الخدمة المدنية هي عمود الدولة وأداة تنفيذ سياساتها وليست مجرد مكاتب وموظفين، فإن لم يتم إصلاحها الآن وبجدية، فلن تنهض البلاد مهما تعاقبت الحكومات. والمطلوب قرارات شجاعة، وإرادة سياسية واضحة، ومجتمع واع لا يصمت أمام الفساد والتسييس.

فهل نشهد ميلاداً جديداً للخدمة المدنية في السودان في عهد حكومة الأمل المدنية أم سيظل السؤال معلقًا؟ والناس يتطلعون حينها لحكومة أخرى قادمة؟

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى