واحدة من أعظم محطات عودة الاستقرار وعودة المواطنين إلى ديارهم في ولاية الجزيرة قادها رجل حكيم، والي فاهم طبيعة المرحلة ويدرك تمامًا ما هو المطلوب منه في زمن تتداخل فيه السياسة بالأمن بالخدمات. لم تكن عودة الحياة إلى الجزيرة صدفة، بل جاءت نتيجة إدارة واعية، وقرارات شجاعة، وتقديم مصلحة المواطن على أي حسابات ضيقة.
تمر علينا هذه الأيام ذكرى تحرير مدني، ذكرى ثقيلة على الوجدان، يوم انقسمت القلوب حزنًا وغيظًا حين دنّس الجنجويد أرض المدينة، وانتهكوا أمنها وسكينتها. يومها شعر أهل الجزيرة أن مدني، القلب النابض للوسط، قد طُعنت في خاصرتها، وأن الألم لم يكن ألم مدينة فقط، بل ألم وطن كامل.
لكن كما هي الجزيرة دائمًا، لم تنكسر. عادت مدني بسواعد رجالها، وبثبات القوات المسلحة والقوات النظامية والمستنفرين، وبصبر مواطنيها الذين تحملوا المرارة والتهجير والخسارة. جاء التحرير ليعيد الروح، لا للمباني وحدها، بل للثقة، وللإحساس بأن الدولة ما زالت قادرة على حماية أرضها وأهلها.
اليوم نشهد عودة المواطنين، عودة الأسواق، عودة الخدمات، وعودة الأمل. هذه العودة لم تأتِ بالكلام ولا بالشعارات، بل بالفعل والعمل والمتابعة الميدانية. والي الجزيرة أدرك أن معركة ما بعد التحرير لا تقل أهمية عن معركة السلاح؛ معركة الأمن، ومعركة الخدمات، ومعركة طمأنة الناس وإعادتهم إلى بيوتهم ومزارعهم.
ذكرى تحرير مدني ليست مجرد تاريخ يُستدعى، بل درس يُستوعب: أن وحدة الصف تصنع الفارق، وأن الإرادة الصلبة أقوى من الفوضى، وأن الجزيرة حين تتماسك تقف شوكة في حلق كل من راهن على انكسارها. مدني اليوم تقف من جديد، جريحة نعم، لكنها شامخة، تؤكد أن هذا الشعب لا يُهزم، وأن الأرض تعود دائمًا لأهلها.



