رغم تعهدات الوزارة.. مدارس بالجزيرة تواصل فرض رسوم الامتحانات وطرد التلاميذ!
تحقيق: عاصم الأمين إبراهيم

رغم نشر “الجزيرة نيوز” تحقيقاً سابقاً بشأن الرسوم الباهظة المفروضة على التلاميذ مقابل طباعة الامتحانات، ورغم تأكيد المدير العام لوزارة التربية والتعليم بولاية الجزيرة إيقاف هذه الرسوم، إلا أن ما يجري على الأرض يكشف أن إدارات المدارس لا تزال ماضية في تحصيل الأموال ذاتها، بل إن بعض المدارس تجاوزت ذلك إلى طرد التلاميذ الذين عجزت أسرهم عن السداد.
هذا الواقع المقلق يثير تساؤلات مشروعة حول مصداقية التوجيهات الصادرة من الوزارة، ومدى التزام المحليات والمؤسسات التربوية بتنفيذها، في ظل صمت رسمي يفتح أبواب الريبة ويُعمّق من معاناة الأسر السودانية التي تواجه أوضاعاً معيشية قاسية.
من جهة تعليمية إلى جهة جباية!
ينتظر أن تكون وزارة التربية والتعليم هي الحصن الحامي لحق الطفل في التعليم، لا سيّما في الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، غير أن المتابع لما يحدث على أرض الواقع يجد أن الوزارة تتحول تدريجياً من مؤسسة خدمية إلى أداة جباية تفرض على المواطنين رسوماً باهظة دون توضيح أو تبرير، تحت بنود مبهمة كـ”طباعة الامتحانات” أو “المساهمة في إسناد التعليم”.
ففي وقت سابق، كشفت “الجزيرة نيوز” عن فرض رسوم مرتفعة على أولياء الأمور بمحلية أم القرى، ولم يكن مستغرباً حينها أن تشهد تلك الخطوة رفضاً شعبياً واسعاً، إلا أن المفاجأة الكبرى كانت أن هذا الإجراء لم يكن اجتهاداً محلياً معزولاً، بل استند إلى خطاب رسمي صادر عن مدير المرحلة الابتدائية بالمحلية، ووجد موافقة مكتوبة من المدير العام للوزارة، ما يُحمّل الوزارة المسؤولية الكاملة عن هذا التوجه.
استمرار التحصيل
بعد تصاعد الأصوات الرافضة، أكد المدير العام للوزارة إيقاف تحصيل الرسوم بالفئات المضاعفة، لكن ذلك لم يغيّر شيئاً من واقع الحال، حيث واصلت إدارات المدارس تحصيل المبالغ كما كانت، بل وبالقدر ذاته، في تحدٍ واضح للتوجيهات الرسمية.
وبحسب إفادات أولياء أمور ومديري مدارس معلمين، لا تزال المدارس تطالبهم بسداد مبالغ تتراوح ما بين أربعة آلاف وثلاثة عشر ألف جنيه للتلميذ الواحد، وهي مبالغ تفوق قدرة الغالبية العظمى من الأسر، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي جعلت تأمين لقمة العيش اليومية أولوية قصوى.
حادثة طرد التلاميذ
وفي تطور خطير، رُصدت حالات لطرد تلاميذ من فصولهم الدراسية بعد أن عجزت أسرهم عن دفع الرسوم المفروضة.
مثل هذه الإجراءات، مهما كانت الذرائع التي تسندها، تُعد انتهاكاً صريحاً لمبدأ مجانية التعليم، وتتنافى تماماً مع القيم التربوية والإنسانية، كما تمثل إهانة مباشرة لكرامة التلميذ وولي أمره.
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف تُمنح المدارس صلاحية طرد التلاميذ رغم وجود قرارات بإيقاف الرسوم؟ وأين غابت الرقابة؟ ومن يُحاسب على هذا الخلل؟
تحييد الأموال خارج النظام المالي الرسمي؟
تظهر على السطح تساؤلات مقلقة حول مصير الأموال المحصّلة: هل تدخل هذه المبالغ فعلاً في حسابات الوزارة أو الخزينة العامة؟ أم تُدار بعيداً عن الأنظمة المحاسبية الرسمية، ما يفتح الباب لاحتمالات واسعة لسوء الاستخدام أو الفساد؟
حتى لحظة كتابة هذا التحقيق، لم تُصدر الوزارة أي بيانات محاسبية تفصيلية حول ما جُمع من أموال تحت بند طباعة الامتحانات، ولا عن كيفية التصرف فيها، ولا عن الجهة التي تتولى إدارتها. غياب الشفافية هذا يُغذي الشكوك ويُضعف الثقة في المؤسسة التعليمية ككل.
من رسوم الطباعة إلى “إسناد التعليم”
لم تقف التجاوزات عند حد الرسوم المخصصة لطباعة الامتحانات، بل تخطتها إلى فرض مبالغ إضافية على المدارس نفسها. ففي واحدة من المحليات – بحسب ما علمنا من مصادر موثوقة – طلب من كل مدرسة دفع مساهمة مالية تحت بند “إسناد التعليم”.
هذا القرار، الذي لم يُرفق بأي لائحة أو خطة واضحة، أثار غضب عدد من مديري المدارس والمعلمين، الذين تساءلوا عن مشروعية هذه الجبايات، لا سيما في ظل معاناة المدارس من نقص حاد في الكادر، والكتب، والمقاعد، والبنية التحتية.
أسئلة تنتظر إجابة من حكومة الولاية
أمام كل هذه الوقائع، تبرز أسئلة جوهرية ينبغي أن تُطرح مباشرة على طاولة السيد والي ولاية الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير:
هل تعلم أن الرسوم ما تزال تُحصّل؟
هل وصلكم أن بعض المدارس قامت فعلياً بطرد التلاميذ؟
ما موقف حكومتكم من فرض رسوم على المدارس نفسها تحت لافتة “تطوير التعليم”؟
الأهم: هل تدخل الأموال المحصّلة في القنوات الرسمية، أم يتم تحييدها وإدارتها خارج النظام المالي الحكومي؟
هذه الأسئلة لا تتحمل التأجيل، ولا يليق بها الصمت، لأن ما يحدث الآن لا يتعلق بمخالفة إدارية بسيطة، بل يمسّ جوهر العملية التعليمية، وحقوق الأطفال، وأمن الأسر الاجتماعي.
ما المطلوب؟
إيقاف فوري وشامل لكل الرسوم غير المبررة، ومراجعة لآلية طباعة الامتحانات.
تشكيل لجنة محاسبية لمراجعة الأموال التي جُمعت، وتحديد أوجه صرفها، وإصدار تقرير شفاف للرأي العام.
معاقبة كل من تورط في طرد التلاميذ من المدارس، باعتباره مخالفة تربوية وإنسانية جسيمة.
إصدار توجيهات واضحة بعدم فرض أي رسوم على المدارس إلا عبر ميزانيات مقننة ومعتمدة.
خاتمة
لم تعد القضية محصورة في محلية واحدة، أو مدرسة بعينها، بل تحولت إلى نمط مؤسسي خطير يهدد فلسفة التعليم المجاني، ويحوّل المدارس إلى مراكز تحصيل مالي، يختل فيها ميزان العدالة التربوية.
إذا لم تتحرك حكومة الولاية سريعاً، وتُعيد الأمور إلى نصابها، فإن المستقبل القريب سيشهد مزيداً من التمييز والطبقية في المدارس العامة، وسيجد التلميذ الفقير نفسه خارج أسوار التعليم، لا لسبب سوى أنه لا يملك ثمن ورقة امتحان!
