ريثما.. تفيض الروح باليقين

يمضي الشهر الكريم بطهره المهيب، يطوي أيامه المباركة كبساطٍ من نور، تاركاً في مآقي الصائمين دمعة الرجاء وفي قلوبهم رنة الإخبات. هو ليس مجرد ميقاتٍ للعبادة، بل هو “محطة تفتيش” كبرى للذات، حين يسلم العبد أمره لبارئه، فتنقشع غشاوة الدنيا وتتجلى حقائق الوجود في أبهى صورها. ويفرح المسلمون اليوم لا لرحيل الضيف، بل بتمامه؛فالفرحة الحقيقية هي تلك القادمة من عمق الانقياد لله، حين يستشعر المرء أن جفافه الروحي قد ارتوى من نبع الإيمان. إنها فرحة “الإيفاء”، تلك اللحظة التي ينسجم فيها الجسد المنهك بالصبر مع الروح المحلقة بالذكر، فتصبح الطاعة وطناً آمناً نلوذ إليه من هجير الحياة وتقلبات الزمان.
وفي خضم هذا الصفاء، تشرئب أعناقنا نحو الوطن؛ ذاك الجرح النازف الذي ما فتئ يبحث عن ضفاف الأمان. إن دعواتنا في خواتيم هذا الشهر لم تكن مجرد كلمات مرسلة، بل هي صرخات استغاثة لمحراب العدل الإلهي، أن تُحسم قضايا السودان بما يرضي تطلعات هذا الشعب الصابر. نسأل الله أن تعمّ الخيرات بربوعه، وأن تتحول ذرات ترابه إلى سنابل من طمأنينة وبركة، تمحو بؤس السنين وتعيد للدار رونقها وللأهل بسمتهم التي غابت في زحام الأزمات.
ولا يخفى على ذي بصيرة أن العبث بمقدرات الشعوب باتت له أدوات “ناعمة” وأخرى “خشنة”؛ فبين دوائر غربية لا ترى فينا سوى أرقام في معادلات المصالح، وأشقاء خانوا عهد القربى فصاروا طعنات في الظهر، وطابورٍ خامس يقتات على فتات الفتن، يقف السودان صامداً بوعي أبنائه. إننا نستودع الله بلادنا من كيد المتربصين الذين ينسجون المؤامرات في الخفاء، ومن الدوائر التي تريد لنا الشتات والضياع. إن الإرادة الوطنية، المستمدة من روح هذا الشهر العظيم، هي الكفيلة بتمزيق خرائط التآمر ورد كيد الخونة إلى نحورهم.
وبينما نحن في قلب هذا المخاض الوطني، تبرق في الذاكرة صور الوطن القديم، بجماله الفطري وأزقته التي تفوح بعبق الحنين وذاك الشوق السرمدي لضفاف النيل الأصيلة، وكأن أرواحنا تبحث في تلافيف الذاكرة عن مرفأٍ يقينا عواصف الحاضر، لنستمد من عبق “الأرض الأولى” القوة على الاستمرار والذود عن “الأرض الحالية”.
فيا ربّ هذا الصفاء، ويا مجري النيل في عروق الأرض والقلوب، اجعل مآل صيامنا فتحاً مبينًا، وأبدل أنين الثكالى في بلادي ترانيم نصرٍ وزغاريد طمأنينة. فما نحن إلا “عابرون” في مرافئ الرجاء، ننتظر أن تشرق شمس العدل وتغيب شموس الخيانة خلف تلال الندم، ليبقى السودان شامخاً، عصياً على الكسر، وتبقى هويتنا “أرضاً” نقدسها، و”ذكرياتٍ” لا يشوبها نسيان.. ريثما نعود، ونستردّ في أحضانها أماننا المفقود


