أخبار

سرديات

الزاكي عبد الحميد

 

بحضوره المؤتلق؛ في تواصله الحميم؛ مشاركاً ومساهماً في أفراح ابناء الوطن ؛ وأتراحهم؛ كان تاجا على رؤوس أبناء الجالية السودانية في العاصمة العمانية مسقط، لسنوات عديدة؛ وما زال له في حدقات عيونهم متسع..

تاج الهلال العاصمي؛ صديقي الحبيب؛ كابتن *التاج محجوب؛* اعارني ذات مرة؛ شريط كاسيت؛ فيه واحدة من خرائد أغنيات الحقيبة.. كانت المرة الاولى التي أسمعها بصوت المطرب الكبير محمد الأمين؛ بالضرب على آلة العود فقط؛ فاحتفيت بها؛ وما اعدت الشريط لصاحبه؛ من شدة اعجابي بالأغنية؛ وتعلقي بها؛ ترويضا للقلق من صهد الغربة وهجيرها…فمعذرة يا صديقي!

يا سلام…

يستخفني الطرب حين اسمعها بصوت ود اللمين بالعود..

*السيوف ألحاظك تشهرا*
*للفؤاد المن بدري انهرا..*

هذا لا يكون!

هكذا اعترض كبيرهم على قول شاعرنا؛ حين شبه عيني ملهمته بسيف بتار؛ يفتك بأفئدة الناظرين إليها..

كبير القوم؛ هو *دوقلاس*؛ مستشرق بريطاني؛ عملنا معا في مؤسسة واحدة في الخليج (كان هو المشرف على وحدة الترجمة والتحرير التي تضم مترجمين من مصر والاردن وفلسطين) ثم ضمني لاحقا-بتزكية منه- قروب واتساب يُعنى بترجمة الشعر..

مضى *دوقلاس* يقول: عندما يشبه الشاعر عيون محبوبته بالسيف مثلا، فإن ذلك قد يثير تناقضًا بين العنف والقسوة المرتبطين بالسيوف، وبين الغزل الرومانسي الناعم… السيوف ترمز عادةً إلى القوة والقتال، وقد تُفسّر على أنها تعبير عن شدة العاطفة أو الألم العاطفي، ولكنها قد لا تتناسب مع صورة الحب الرقيق والرومانسي.

في الشعر العربي التقليدي، غالبًا ما يستخدم الشعراء تشبيهات تعكس الجمال والنعومة واللطف عند وصف المحبوبة. أما استخدام السيوف في هذا السياق؛ فقد يُبدو استخداما غير تقليدي؛ وقد يغير من توقعات القارئ أو المستمع حول طبيعة الغزل..

غير أن دوقلاس يستدرك فيقول: الشعراء لديهم حرية كبيرة في اختيار الصور والتشبيهات التي يرون أنها الأفضل للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، ويمكن أن تكون هذه الصور مثيرة للاهتمام ومحفزة للتفكير عندما يتم استخدامها بطرق غير تقليدية.

المدخل لهذا النقاش كان السونتة ١٣٠ لشاعر الانجليز الاعظم؛ حين عُرضت على مجموعتنا؛ لتفكيكها ذات مرة..

سونيتات شكسبير (قصائد غزلية قصيرة يتكون كل منها من أربعة عشر بيتاً) تضم 154 سونيتة؛ تُعتبر من روائع الأدب الإنجليزي؛ لجمال لغتها وعمق معانيها. وتدور فكرة السونتات بوجه عام؛ حول الحب والجمال من منظور شكسبير…

في السونتة ١٣٠ سخِر شكسبير من الشعراء الذين يشبِّهون عيون ملهماتهم؛ من حيث الوضاءة؛ بالشمس او القمر اوغيرهما من الأجرام السماوية..

ففي السونتة ١٣٠ يصف شكسبير عيون ملهمته بقوله:

My mistress’ eyes are nothing like the sun..

ويعني:

*عيناك يا حبيبتي ليستا كالشمس..*

وشكسبير يعني أنه؛ لو كان جل الاشعار التي قيلت في وصف العيون؛ تركز على الكواكب والاجرام السماوية الأخرى كالشمس وأخواتها؛ من حيث وضاءتها؛ كمصدر للجمال فإن عينيك يا ملهمتي تختلفان..

لم يعط شكسبير وصفا مباشرا لعيني ملهمته؛ بل اكتفى بالقول بانهما لا تشبهان كل الاوصاف التي قالها الشعراء من قبل..انهما تتميزان بجمال بشري واقعي في مقابل تلك الاوصاف غير الواقعية unattainable beauty standards …

شكسبير يعترض على تشبيه عيني ملهمته بالشمس؛ لان وجه الشبه في نظره؛ غير دقيق وغير واقعي؛ وإن جاء كاستعارة..

وفي هذا السياق؛ دار حديث الاعضاء..وحين طُلب مني أن أدلي بدلوي؛ عرضت عليهم -نزولا عند رغبتهم في معرفة ما قاله شعراء السودان عن وصف العيون- ترجمة للابيات التي وصف بها ابو صلاح؛ شاعر الحقيبة المعروف؛ عيون ملهمته:

*السيوف الحاظك تشهرا*
*للفؤاد المن بدري انهرا*
*يا بدور القلعة وجوهرا..*

Your eyes reveal a piercing sight,

Swords that target my heart’s darkest night;

A wounded soul, already torn apart;

Your gaze holds the blade that cuts my heart..

فانبرى كبيرنا دوقلاس محتجا!

قال إن كان شكسبير قد إنتقد الشعراء الذين شبهوا عيون ملهماتهم بالشمس؛ فكيف يكون الحال مع هذا الشاعر السوداني الذي أتانا بما لا يعقل..
فوجه الشبه بين عيون الملهمة والسيوف الفتاكة-كما يقول شاعرك السوداني في وصفه لعيون ملهمته-يبدو أكثر بعدا عن الواقع؛ وزد على ذلك؛ أن ذكر الاسلحة الفتاكة كالسيوف وأدوات الحرب الأخرى؛ يأتي خصما على كلام الغزل الرومانسي الخالي من مفردات القتل والفتك والدماء ..

ذكرت لهم ما قاله *جرير* كشاهد على أن العيون تقتل :

*إن العيون التي في طرفها حورٌ*
*قتلننا ثم لم يحيين قتلانا..*

Eyes with squints in corners sly,

Killed us with a single, piercing eye.

Our hearts, once dead, cannot revive,

By glances that our souls can’t survive.”

قالوا العيون التي يعنيها جرير قتلت؛ ولكنه قتل مستعذب لا سيفٌ ُاستخدم فيه؛ ولا حراب؛ بل إن القاتل كما قال جرير (هن أضعف خلق الله انسانا) أي هو قتل مستطلف بنعومته.

كبيرنا يصب المزيد من الملح على جرحي؛ فيستشهد بقول *النابغة الذبياني* حين وصف عيني *المتجردة* امرأة النعمان بن المنذر بن ماء السماء حين قال:

*نظرت إليك بحاجة لم تقضها*
*نظر السقيم إلى وجوه العوّد..*

أي كالمريض الذي ينظر إلى مَن يزورونه للإطمئنان على صحته..إنها نظرة مزجت الرجاء (الحاجة التي لم تقض) باليأس (من حالة المرض)..وهذه النظرة التي تمزج الرجاء باليأس تستصحب فتوراً حين تنظر إليك وهذا الفتور؛ هو ما يعتبره الشعراء؛ من معايير جمال العيون؛ (الناعسات عيونن كما قال أهل الحقيبة عندنا)..

سُقط في يدي؛ فقد اشتد الحصار علي من كل اركانه؛ فكدت أرفع الراية البيضاء؛ لولا أن ساندني الدكتور حسن الجزولي برأي أفسد على (المتآمرين😅) إحكام حصارهم عليّ ..

في عشرينيات القرن الماضي؛ أقيم حفل عرس في حي القلعة بام درمان..تنادت حسان الاحياء المجاورة وأمّ الحفلَ شبابٌ كثر..

يقول الدكتور حسن الجزولي في كتاب له صدر قبل نحو أربعة أعوام؛ عن مركز عبد الكريم ميرغني؛ بعنوان -الملهمات-:

عرِفت الحسناء -آمنة- ابنة عائلة “أم كيما” والتي كانت تتوسط عقد الحسناوات، ان الشاعر -ابو صلاح- الذي كان كبار مطربي الحقيبة يتلقفون اشعاره اولا باول، من بين حضور ذاك الحفل البهيج..وكان شعراء تلك الحقبة يتحينون مثل هذه المناسبات؛ لمشاهدة الحسناوات وهن في كامل زينتهن؛ ليكتبوا لاحقا في جمالهن اغنيات خالدات…

كان -ابو صلاح- يجلس في ركن قصي وهو يتابع الحفل..

طلبوا من -آمنة-ان تبرز قدراتِها على الرقص على السباتة للشاعر، علّه يهيم بها ويكتب فيها شعرا..

التفتت -آمنة- لتمعن النظر في الشاعر؛ فلمحت ذلك الحَوَل الذي اشتهر به في احدى عينيه فبدر منها تعليقٌ قالته عيناها قبل لسانها..تعليقٌ كان هو الزناد الذي اشعل قريحة الشاعر ليقول فيها:

*السيوف الحاظك تشهرا..*
*للفؤاد المن بدري انهرا..*
*اخفي ريدتك مرة واجهرا..*
*نار غرامك ربك يقهرا..*
*يا بدور القلعة وجوهرا..*

قال العارفون؛ إن هذه الاغنية التي ذاع صيتُها في كل بيوتات أم درمان؛ قد أشهرت ايضا *حي القلعة* نفسَه وميزته عن جميع احياء ام در؛ باعتبار ان حسناواته يعتبرن من اجمل نساء المدينة..

ولا غرو إن تزوجت في نفس عام ميلاد القصيدة؛ فتيات كثيرات ولم تكن *آمنة أحمد حامد بشيري* -الملهمة-بمستثناة؛ إذ تزوحها في نفس العام ابراهيم حسن العاتي وانجب منها ابنين وخمس بنات..

وما فعله شعر ابو صلاح لحسناوات حي القلعة كان *الحطيئة* قد فعل الشيء نفسَه بشعره؛ لبني *انف الناقة* العربية:

*قومٌ همُ الانفُ والأذنابُ غيرهمُ،*

*ومَن يسوي بأنفِ الناقة الذنبا…*

*بنو انف الناقة* قبيلة عربية في الجاهلية مستضعفة، كانت القبائل الاخرى تستهزيء باسمها ما جعل افراد القبيلة يتوارون عن الانظار بسبب ما اعتبروه سبة في حقهم، حتى زارهم الحطيئة فاحسنوا وفادته، فقال فيهم قصيدته التي جعلت القبيلة تفتخر باسمها؛ بل وتتسارع القبائل الأخرى لكسب ودها؛ وتطلب الزواج من حسناواتها؛ بعد ان كانت القبيلة مصدرا للتندر والاستهزاء…

هل يا ترى؛ جانب *ابو صلاح* الصواب في وصفه لعيون ملهمته بالسيوف البتارة؟

في منطقة رمادية أقف حائرا ؛ فتارة أوميء لكبير القوم؛ وتارة أحلق مع ود اللمين كمنجذب صوفي؛ أخذته النشوة؛ بعيدا إلى دنياوات أخر؛ ولسان حالي يقول: ينصر دينك يا ابو صلاح ياخ!

 

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى