أخبار

طبيب صامت

د. خالد يوسف

 

* لم تكن مهنة الصيدلة يوما مجرد بيع للأدوية، بل كانت ولا تزال رسالة علمية وإنسانية نبيلة، فالصيدلي هو حلقة الوصل بين الطبيب والمريض، وهو الخبير الذي يضمن الاستخدام الآمن والفعّال للدواء، ومع ذلك يلاحظ في السنوات الأخيرة أن بعض الناس بدأوا ينظرون إلى الصيدلي على أنه مجرد بائع يقف خلف منضدة يسلّم الأدوية مقابل المال، وهذا التصور لم يأتِ من فراغ؛ فازدحام الصيدليات، وضغط العمل، ساهم في تراجع الدور التثقيفي والإرشادي للصيدلي، فأصبح الحوار مع المريض مختصرا مما عزز هذه الفكرة السطحية، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فالصيدلي المؤهل يؤدي دورا مهما في توعية المرضى، وتجنب التداخلات الدوائية، وتصحيح الأخطاء في استخدام الأدوية، بل وقد ينقذ حياة إنسان بنصيحة في الوقت المناسب، إن اختزال هذه المهنة في “البيع” فقط هو ظلم كبير لها ولأصحابها، واستعادة الصورة الحقيقية للصيدلي تتطلب جهدا مشتركا من الصيدلي نفسه بالتمسك بدوره العلمي والإنساني، ومن الجهات المختصة بدعم هذا الدور، ومن المجتمع بتقدير هذه المهنة كما تستحق، فالصيدلي هو: ( حارس على صحة الناس).

* فالصيدلي في الأصل هو مختص دوائي يمتلك معرفة عميقة بتركيب الأدوية وتأثيراتها وتفاعلاتها، ودوره لا يقل أهمية عن أي عنصر في المنظومة الصحية، والمعضلة لا تكمن في المهنة بحد ذاتها، بل في الممارسة التي قد تُفرغها من محتواها، حين يغيب التفاعل مع المريض، وتقدم الأدوية دون شرح أو توجيه، يتحول الصيدلي بالفعل إلى بائع في نظر الناس، لكن حين يشرح، وينصح، ويتابع، فإنه يستعيد مكانته كمرشد صحي موثوق، وإن الصيدلة ليست تجارة بحتة، بل مزيج دقيق بين العلم والأخلاق والإنسانية. وكلما حافظ الصيدلي على هذا التوازن، أثبت للجميع شريك أساسي في رحلة العلاج.

* وعندما اشتدت الحرب في السودان، وأنهارت كثير من الخدمات الأساسية، برز الصيادلة كخط ( دفاع صحي صامت) يعمل في ظروف بالغة القسوة؛ لم تكن مهمتهم سهلة، فقد واجهوا نقصا حادا في الأدوية، وانقطاعا في سلاسل الإمداد، وخطرا يحيط بهم في كل لحظة، في ظل هذه التحديات، أظهر الصيادلة قدرا عاليا من المسؤولية؛ فبذلوا جهدا كبيرا ( في إيجاد بدائل دوائية) واستطاعوا إدارة المخزون المتاح بحكمة، لضمان استمرار تقديم العلاج لأكبر عدد ممكن من المرضى، كما لعبوا دورا مهما في تقليل الأخطاء الدوائية، خاصة مع غياب الإشراف الطبي في بعض المناطق.

* ولأن الأزمة لم تكن صحية فقط بل إنسانية أيضا، شارك الصيادلة في مبادرات تطوعية، قدموا من خلالها الأدوية للنازحين والمتضررين، وساهموا في نشر الوعي الصحي للوقاية من الأمراض التي قد تنتشر في مثل هذه الظروف، كالأوبئة وسوء التغذية.

* لقد أثبتت هذه المرحلة أن الصيدلي ليس مجرد مقدم خدمة، بل عنصر فاعل في إدارة الأزمات الصحية. وما قدمه الصيادلة خلال الحرب سيبقى شاهدا على إخلاصهم، وعلى الدور العظيم الذي يمكن أن تؤديه هذه المهنة حين تتجلى إنسانيتها في أحلك الظروف.

خلاصة القول: الصيدلة علم وفن وتجارة: وهذه العبارة تحمل معنى عميقا يختصر طبيعة هذه المهنة في ثلاثة أبعاد متكاملة, فالصيدلة علم قائم على أسس دقيقة من الكيمياء، وعلم الأدوية، وعلم وظائف الأعضاء. فالصيدلي لا يكتفي بمعرفة أسماء الأدوية، بل يفهم تركيبها، وآلية عملها، وتفاعلاتها، والجرعات المناسبة لكل حالة.

والصيدلة فن: يظهر في طريقة تعامل الصيدلي مع المرضى، وقدرته على إيصال المعلومة بلغة بسيطة، وتقديم النصيحة المناسبة في الوقت المناسب، كما أن تحضير بعض الأدوية أو التعامل مع الحالات المختلفة يتطلب مهارة وخبرة لا تُكتسب بالعلم وحده.

والصيدلة تجارة: لا يمكن إنكار أن الصيدلة أيضا نشاط اقتصادي، حيث تدار الصيدليات كمشاريع تحتاج إلى إدارة وشراء وبيع وتحقيق ربح، لكن التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين الربح وأخلاقيات المهنة، بحيث لا تطغى التجارة على رسالة الصيدلي الإنسانية.

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى