عرس حبيب الله

ود مدني، هذه “حواء” التي لم تلد مثلها أبدًا، والله إن ما يسرّ البال ويثلج الصدور هو أن تعود، متجاوزةً بذلك كل ما يعكر صفوها ويمنع ابتسامتها الناعمة وحيويتها التي لا ينافسها فيها بلدٌ آخر.
خرج الناس يومها، فما برحت وجوههم تتجه نحوها، والدموع تهطل بغزارة وحرارة وحرقة وألم، وقد شاهدتُ بأمّ عيني من يحادث جدران منزله ويودّعه وداع الأم لفلذة كبدها، حتى حيواناتها لم تُرِد الخروج، فكم من أغنام وشياه ظلّت تنام على أبواب من قاموا بتربيتها، لا تفترسها الكلاب الضالة، فهي تعرف الوفاء ساعة المحن، وبكل أسف، افترسها أولئك الرعاع المأفولين، الذين لم يراعوا ذمّة ولا أخلاقًا.
ثم جمعتهم الغربة والترحال على مشارف المدن والدور والساحات، فكانوا مميزين ومعروفين من خلال تواددهم وتراحمهم ومنتدياتهم وحديثهم الذي يتسامرونه، فلا حديث لهم إلا عن العودة إلى مرابع الحي، والتلهف لسماع أخبار مدينتهم المكلومة، وخيارات العودة كيفما كانت.
ما يدور في عقولهم وتحدثهم به نفوسهم المجروحة، ويعزز جوارحهم المبتلاة، وخواطرهم المكسورة بسبب البغاة الذين فعلوا الأفاعيل، لم يمنعهم من الإحساس وأشواق العودة الطوعية متى ما تم إعلان ذلك.
حالهم كحال كل أهل الجزيرة، بنيان مرصوص، وامتداد طبيعي، وجينات يشبه بعضها بعضًا، وهي بذلك مواصفات ومقياس حقيقي وتيرمومتر لكل شعب الجزيرة.
وأصبح الصبح في ذاك اليوم الأغر، وتواترت الأنباء والبشريات تباعًا، لكن كنا ننتظر الخبر، حتى أتانا الخبر اليقين من القوات المسلحة، فكانت الظهيرة، وأهازيج النصر في كل مكان، وشاركتهم الولايات والدول، وتضامنت مشاعرهم مع أهل الجزيرة، وكلما خرج فوجٌ، تباكوا لفراقهم.
لم ينتظر أهل “حبيب الله” – وهكذا حال كل الولاية – عودة التيار الكهربائي، ولا انقطاع شبكة المياه المنهوبة، ولا انعدام الدواء وخواء المستشفيات من منسوبيها، ولا حتى ندرة الغذاء أو الاحتراز من الخونة المندسين، بل استقبلوا الخراب والدمار بقلوب راضية بقضاء الله وقدره، وتعايشوا سريعًا، وتحدّوا الصعاب، لتعود مدني من جديد ملهمة لتلبي أشواق محبيها.
فعادت مساجد الرحمن والمدارس، وتبارى الجميع، بمن فيهم حادي الركب والي الولاية، ليصنعوا من “الفسيخ” شربات. وأشهد الله، بلا تكسير ثلج، أن شاهدي هو ملحمة توفير مياه الشرب من الطلمبات والطاقات البديلة، يقف وراءها الهميمان: أبو شوك، المؤتمن على المال عن يمينه، ومهندس تخطيطه عن يساره. أنعم بهما وبارك.
“عرس حبيب الله” تجسد بالتعاضد والتآزر والمحبة والتعاون والفهم المتقدّم لكل أفراد الحي، إذ تنادوا واستشعروا خطر مهددات الأمن باعتبارها طرفية يحدها النيل. فسريعًا ما توحدت الراية والرؤية بدعوة قيادة المقاومة الشعبية بمحلية مدني الكبرى – حصريًا قطاع مدني شرق – بقيادة العقيد محمد يوسف، مسؤول القطاع، والأخ طارق عن التدريب والتعبئة، وأركان حربهم.
لتتوج جهودهم بقيام المعسكر النموذجي، الذي توفرت له كوادر تدريبية من ضباط نظاميين وتعليمجية مهرة من أبناء الحي، شهدت لهم أروقة التدريب النظامي.
الآن، تتوالى الزيارات من قيادات المقاومة للاطمئنان على سير المعسكر، إلى جانب اللجنة الأمنية للمقاومة الشعبية بالحي، وأخيرًا، تم إعلان ميلاد “لجنة الكرامة والخدمات”.
الحدث الثاني لعرس حبيب الله هو انعقاد مؤتمر حبيبة الله باختيار لجنة الكرامة والخدمات بتوافق تام، وحشد أذهل ضيوف المؤتمر، بما فيهم ممثل المدير التنفيذي وأركانه، واللجنة المنظمة، وممثلو الأحياء الأخرى، فكان أيضًا نموذجًا آخر ومفخرة لحي حبيب الله.
تبقى فقط أن تتضافر جهود لجنة الكرامة، واللجنة الأمنية، والمستنفرين، كمثلث من ثلاث أضلاع وزواياه، مستصحبين كل مواطني حبيب، لرفعة الحي والمساهمة في نهضة السودان.




