
منتصف شهر ديسمبر من ذلك العام.. ليلة تقرفصت على نفسها من شدة الصقيع الذي جمد حتى أنفاس العشاق.. صرخ وليدها الذي أتى منذ ثماني وأربعين ساعة، مرتجفًا من شدة البرد رغم حضن أمه الدافئ.. أحكمت الغطاء حوله لتمنحه بعض الدفء، ولكنه لم يكف عن البكاء.. فقد ارتحل القطب الجنوبي في هذه السنة لبلاد الشمس… تيار بارد مع صوت عواء ريح الجنوب القارصة، فتحت النافذة بعنف، لم تحتمل أوصالها الواهنة هذا الصقيع، فهي واضعة للتو، أو قبل يومين، مولودها الباكي… كانت بغرفة بالطابق العلوي لمستشفى النساء والتوليد، برفقتها والدتها المسنة التي غفت من شدة التعب وتقوس جسدها طلبًا للدفء. ركضت لتوصد النافذة، انتصف الليل.
على الجهة المقابلة من الشارع، أجساد صغيرة تتلاحم أجسادهم ردًا على سطوة البرد الذي نخر عظامهم، استلقوا قرب بعضهم البعض متشابكي الأيدي، يلتحفون الورق دثارًا… لم يجدوا ما يحميهم غير صناديق ورقية فارغة كانت ملقاة أمام المحال التجارية، صنعوا منها أغطية ترحمهم من لسعات برودة تلك الليلة الباردة، وهم في نومتهم لا أدري ما إذا كانوا يحلمون، وهل تجوز الأحلام لمثلهم، وهم نيام مغمضي الأجفان، ولكن قلوبهم لم تنم، فقد كانت تكابد وتناضل لتنبض. سيارات فارهة وأخرى صدئة مرت من أمامهم دون لحظة رثاء لحالهم، لم يعيروهم أدنى اهتمام، يا للمساكين.
فاطمة… ناداها صوت خفيض ناعس: أوصدي النافذة يا ابنتي، تجمدنا من شدة البرد… أعادها صوت والدتها من ذهول اللحظة وحالة الشرود التي أنستها شعورها بالبرد… وحتى طفلها الباكي لم تسمع صوته، ولربما نسيته. قالت بألم: أتدري يا أماه، نحن لدينا نافذة لنوصدها وأغطية نتدثر بها، وها نحن نرتجف وتصطك أسناننا، ماذا لديهم ما يحميهم؟.. تساءلت الأم: من تقصدين ماذا!! يا فاطمة، عمَّن تتحدثين؟
إنهم أطفال الشوارع يا أمي.
رددت الأم بيقين: لهم الله، وحده معهم، ولن ينساهم.
سالت دمعة حارقة على أسيل خدها الناعم، وحين سقطت على جبين صغيرها هدأ نحيبه ونام بهدوء، كل من بالغرفة شعر بالدفء المحبب، وحلت السكينة بعتمة الصمت المهيب… همست: أنت محقة يا أمي، الله معهم.
ولملم القطب الجنوبي رحاله محلقًا بفضاءات بعيدة،
نام الصغار ملء جفونهم، وعلى حين غفلة طبعت الشمس قبلة دافئة على قلوبهم المتجمدة.

