مرايا الوجوه.. وأخاديدُ البلاد

في رحلة التنقيب داخل ألبومات العمر، توقفتُ طويلاً أمام ملامح لي قبل سبع سنوات؛ لم تكن مجرد صورة لشخصٍ يرفل في ثياب العافية والوسامة، بل كانت “وثيقة طمأنينة” لزمنٍ كان فيه الوطن يمنحنا ضوءه لنرتديه على وجوهنا. كانت الابتسامةُ حينها نابعةً من استقرار الأرض تحت الأقدام، ومن سكينةِ الأهل في بيوتهم، ومن ضحكات الأصدقاء التي لم تكن قد عرفت بعد مرارة “الشتات”. لقد تركتُ تلك الصورة كما هي للتعليق، لكنني في الواقع كنتُ أود أن ألفت النظر لما جرى خلال تلك السنوات العجاف في بلادي السودان، وكيف أنَّ نسبة التغيير في صورتي الحديثة — التي لم أعرضها بعد — تختصر حكاية أمةٍ نُقشت جراحها على الوجوه قبل الجدران.
يا سادتي، إنني حين أُقلّبُ وجوهَ الذاكرة، لا أبحثُ عن وجاهةٍ عابرة، بل عن وطنٍ كان يملؤنا بالنّور قبل أن نغرق في لُجّة التّنور. لقد استبدلنا بضياءِ الوجوه ضوضاءَ الوجع، وصرنا نقتاتُ على الذّكرى لننجو من أنياب الذّكَرى. أنا الكاتب الذي لا يبيع الأوهام، بل يفكك الأورام التي أصابت جسد الألفة بين الأهل والرفاق؛ فشفقتي عليهم ليست دمعةً تفرُّ من العين، بل هي جُمعةٌ للقلوب على مائدة الحنين، إننا نكتبُ لنطوي بساطَ الأسى، ونبسط بساطَ الرضا؛ فالحياةُ بلا أهلٍ هي هولٌ، وبلا أصدقاءٍ هي ضيقٌ واستضاقة.
ولأنَّ الكلمةَ أمانة، والوجعَ أمانة، فإنني لا أهديكم خاطرةً، بل أهديكم مخاطرةً بالبوح في زمن الصمت. إنَّ “القدلة” التي أنشدها في هذه السطور، ليست خيلاءً بمنصبٍ أو جاه، بل هي خُيلاءُ الحرف حين يرفض الخلاءَ من الأمل. نحنُ يا سادتي، شعبٌ إذا قُهر استجمع قُواه، وإذا توارى أشرق تُقاه. صورتي القديمة كانت نصاً مفتوحاً على الحياة، وصورتي اليوم هي غصّةٌ تبحث عن قِصةٍ للنصر والعودة. إنني أطوي المسافات، لا لأصل إلى المنصات، بل لأصل إلى النبضات التي تُخفق في صدور البسطاء من أهلي؛ أولئك الذين صنعوا من “الصبر” خُبزاً، ومن “الدمع” حِبراً.
فيا أيها الوطنُ الذي يسكننا وإن سكنّا المنافي: عُد إلينا بـ عافيتِك، لنعود إليك بـ قافيتِك، ولتكن هذه الكلمات “تميمةً” تُعلّق على صدور القراء، تذكّرهم بأنَّ الوجاهةَ الحقيقية هي أن نكون وجهاءَ في إنسانيتنا، أوفياءَ لدموعنا، أذكياءَ في لملمةِ شتاتنا. هي ذي ريادتي التي أنشد، وذاك هو مرادي الذي أبجد، لنعلن للعالم: أنَّ الوجوه قد تتغير، لكنَّ الجذور لا تتبخر، وأنَّ الإبداع هو الرئةُ الوحيدة التي نتنفس بها هواء الطمأنينة المرجوّة، لنطير فوق الجراح بغير أجنحة، ونستعيد تلك الصورة.. كما كنا، وأجمل.



