مشروع الجزيرة.. إلى أين؟

لست متفائلاً بأن يمضي مشروع الجزيرة إلى الأمام، وأن يتجاوز مشاكله المتراكمة ما دام المزارع ما زال يرزح تحت المفاهيم القديمة التي كبّلته طويلاً، وجعلته جزءً من المشكلة بدل أن يكون مفتاح الحل. فالمزارع الذي كان يبيع المدخلات الزراعية في السوق وهي دين واجب السداد يضاف الي ديون سابقة هو مزارع يرزح تحت ضغط واقعٍ اقتصاديٍ مختلٍ، وذهنيةٍ ما زالت تنظر إلى الزراعة بوصفها موردًا يوميًا لا مشروعًا إنتاجيًا استثماريًا طويل الأمد.
إنّ مشروع الجزيرة الذي كان يومًا مفخرة السودان ورمز ازدهاره الزراعي، أصبح اليوم ساحةً لصراعاتٍ لا تنتهي، تتوزع بين الإدارة والمزارعين، والعاملين والإدارة، وبين الإدارة والري وبين المزارعين فيما بينهم، حتى كأن المشروع قد صار مسرحًا دائمًا للخلاف أكثر من كونه ميدانًا للزراعة والإنتاج.
وما دامت إدارات المشروع المتعاقبة تعمل وفق نظام الشلليات، وميزان “مع أو ضد”، فلن يكتب للمشروع استقرار ولا نهضة. فالإدارة التي تتعامل مع المشروع بروح التحزّب والانقسام، لا يمكن أن تضع خطةً علميةً أو استراتيجيةً تنمويةً متماسكة، لأن المصلحة العامة تضيع في زحام المصالح الصغيرة والأجندات الشخصية.
لقد فشلت تنظيمات المزارعين بدورها في أن تكون صوت المزارع الحقيقي وحاميه من التقلبات، فبدلاً من أن تقود عملية الإصلاح، غرقت هي الأخرى في التجاذبات والمصالح الضيقة، فضاعت بين الانتماءات السياسية والمناطقية والمكاسب المرحلية.
إنّ مشروع الجزيرة بحاجة إلى ثورة وعي قبل ثورة إدارة، إلى مزارعٍ يدرك أن الأرض لا تعطي إلا من يعطيها، وأن الزراعة ليست مغامرة موسمية، بل منظومة إنتاج قائمة على العلم والانضباط والشفافية. وبحاجة كذلك إلى إدارةٍ وطنية رشيدة تؤمن بأن الإصلاح لا يتم بالقرارات الفوقية بل عبر إشراك الجميع في رؤيةٍ موحدةٍ تُعيد للمشروع مكانته وريادته.
لن يتعافى مشروع الجزيرة إلا حينما تلتقي الإرادة الصادقة بالمصلحة العامة، وحين يدرك كل من يعمل فيه أن نجاحه ليس انتصارًا لفئةٍ على أخرى، بل استعادةٌ لعافية وطنٍ كاملٍ ظلّ يعتمد على هذا المشروع لعقودٍ طويلة.




