
في لحظة مفصلية من تاريخ مشروع الجزيرة، وبين ركام سنوات الحرب والتوقف، بدأت ملامح النهوض تتشكل من جديد. فالمشروع الذي ظل لعقود عماد الأمن الغذائي في السودان، يعود اليوم إلى واجهة الإنتاج مستنداً على إرادة رسمية وبرامج إصلاحية تستهدف استعادة دوره الحيوي. وخلال مؤتمر صحفي موسع ببركات، قدّم محافظ المشروع المهندس إبراهيم مصطفى علي صورة شاملة لواقع ما بعد الدمار، كاشفاً عن انتقال المشروع من مربع الأزمة إلى فضاء التعافي، وعن خطة متكاملة لإعادة بنائه على أسس حديثة ومستدامة.
مرحلة جديدة
كشف محافظ مشروع الجزيرة، المهندس إبراهيم مصطفى علي، عن دخول المشروع مرحلة جديدة من التعافي الفعلي بعد سنوات من التوقف والانكماش، مؤكداً أن عودة النشاط الزراعي جاءت ثمرة لتدخلات استراتيجية قادتها “حكومة الأمل” لإنقاذ الموسم الزراعي وضمان الإمداد الغذائي للسودانيين. جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي موسع انعقد بقاعة رئاسة المشروع ببركات، خُصص لتقديم قراءة شاملة للوضع الراهن واستعراض برنامج الإصلاح المنتظر.
آثار الحرب… جراح لم تندمل
وقال المحافظ إن المشروع خرج من واحدة من أقسى مراحله التاريخية، بعد أن خلّفت المليشيا المتمردة دماراً واسعاً في البنية التحتية، إلى جانب نهب الآليات والمعدات في محاولة ممنهجة لتعطيل الإنتاج وإفقاد المشروع دوره الاقتصادي. وأوضح أن هذه الأوضاع دفعت آلاف المزارعين إلى دائرة العجز والفقر، وأوقفت عجلة الزراعة لثلاثة مواسم متتالية، قبل أن تتدخل الدولة بميزانية إسعافية وتوفير تقاوي محسنة أعادت الأمل إلى الحقول، وأسهمت في زراعة نحو 850 ألف فدان خلال العروة الصيفية، ما جنّب البلاد فجوة غذائية وشيكة.
دعم خارجي يعيد الثقة للحقول
وأشار المحافظ إلى أن المنظمات الدولية شكّلت سنداً مهماً في مرحلة ما بعد الحرب، وفي مقدمتها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، التي قدمت دعماً مباشراً للعملية الإنتاجية عبر توفير كميات كبيرة من التقاوي المحسنة، والمساهمة في زراعة مساحات إضافية داخل المشروع، إلى جانب دعم سبل كسب العيش بتوزيع آلاف الرؤوس من الماشية. واعتبر أن هذه التدخلات أعادت الثقة للمزارعين، وشجعتهم على العودة إلى الأرض رغم الظروف المعقدة.
الري… انتقال المسؤولية إلى قلب المشروع
وفي خطوة إدارية غير مسبوقة، أعلن المحافظ أن إدارة الري آلت بالكامل إلى رئاسة المشروع اعتباراً من منتصف نوفمبر الماضي، موضحاً أن هذه النقلة وضعت كل مفاتيح النجاح والفشل في يد إدارة واحدة. وأفاد بأن الخطوة صاحبتها ترتيبات فنية واسعة شملت استيعاب كوادر متخصصة من وزارة الري، وتنفيذ أعمال صيانة وتطهير لشبكات القنوات والترع، ومعالجة اختناقات مزمنة في عدد من المناطق، فضلاً عن توفير الوقود اللازم لتشغيل الطلمبات وضمان استمرارية الإمداد المائي.
عودة الإنتاج وتأثيره على السوق
وأعلن المحافظ عن نتائج أولية وصفها بالمشجعة لإنتاج الموسم الحالي، مؤكداً أن المحاصيل الرئيسية عادت إلى دائرة العطاء بعد سنوات من التراجع. وأوضح أن تدفق منتجات الجزيرة إلى الأسواق أسهم في تحسين وفرة السلع الزراعية واستقرار الأسعار، مما خفف الضغوط المعيشية على المواطنين وأعاد للمشروع دوره التقليدي كركيزة للأمن الغذائي.
تحديات الواقع وقيود التمويل
ولم يُخفِ المحافظ حجم التحديات التي ما زالت تواجه المشروع، مشيراً إلى أن تعقيدات التمويل وإجراءات العطاءات دفعت بعض المزارعين إلى الإحجام عن زراعة القمح، والتوجه نحو محاصيل أقل كلفة. كما أقر بوجود ضغط متزايد على الحصص المائية نتيجة الإقبال الكبير على الزراعة، مؤكداً أن الإدارة ستعمل على ضبط المساحات في الموسم المقبل بما يضمن عدالة التوزيع واستدامة الموارد.
خطة إصلاح تعيد بناء المشروع
واختتم المحافظ المؤتمر بعرض ملامح خطة شاملة لإعادة ترتيب المشروع من الداخل، تقوم على تحديث أدوات الإنتاج وفتح آفاق استثمارية مع دول مثل الصين وتركيا، وإدخال تقنيات حديثة في العمليات الزراعية، إلى جانب توسيع الدورة الإنتاجية بإدخال الحيوان والاهتمام بالبنية الخدمية داخل المشروع. كما شدد على ترسيخ الحوكمة المؤسسية عبر استكمال اللوائح وعدم التدخل في انتخابات جمعيات المزارعين وتكوين مجلس إدارة فاعل، فضلاً عن استعادة وحدة المعلومات وأرشيف الحيازات لضمان الحقوق.
زراعة مستدامة

وأكد المحافظ في ختام حديثه أن التنسيق مع وزارة الري مستمر في مجالات البحث والتطوير، مشدداً على أن الهدف النهائي يتمثل في الوصول إلى زراعة مستدامة على مدار العام فور استقرار الإمداد المائي بصورة كاملة.
يبدو أن مشروع الجزيرة يقف الآن على أعتاب مرحلة جديدة، تتجاوز مجرد استعادة ما فُقد، إلى إعادة صياغة مستقبله برؤية مختلفة وأدوات أكثر حداثة. فبين تحديات التمويل وضغوط المياه، وفرص الاستثمار والتحديث، تتحدد معركة أخرى عنوانها الاستدامة والحوكمة والكفاءة. ومع استمرار التنسيق مع الجهات المختصة، وتمسك الإدارة بهدف الزراعة على مدار العام، يراهن القائمون على المشروع على أن الجزيرة لن تعود فقط كما كانت، بل ستنهض أكثر قدرة على الصمود والعطاء في وجه الأزمات المقبلة.




