مصطفى بشار يكتب.. كابلي يا ضنيناً بالوعد

قدرُ الفنّانين عندما يرحلون، فإنهم يتركون خلفهم حزنًا مستديمًا. وبرحيل فنان أو مثقف واحد، ترحل ذاكرة أُمّة كاملة، وإرشيف إبداعي، ومعينٌ لا ينضب من الإبداع والتسامي والأمل. لا نجهد نحن السودانيين أنفسنا في التوثيق المتراكم لكل خلجات نفس، لهذا الفنان أو ذاك الكاتب، حتى تستبين لنا الحقيقة بعد ضُحى الغد، كما هو عهدُنا بالمشافهة المزمنة، التي أوغلت في جذورنا، وفي ثنايا مجتمعنا السوداني العزيز.
ولعل قلق الفنان المزمن أن يرتحل معه في حياته الأولى، ولا نستَرشد أن نضمن هذا القلق بتفاصيله، لأنه الشحنة التي يتعبأ بها المبدع حينًا وآخر. وبعدها نستفيق على حزنٍ مؤجّل، لا نطيقه إلا على دفعات، كهيئة أقساط غير مريحة، نقتطعها من حشاشات الأفئدة، لنتوازن من جراء الفقد المفاجئ.
وقدَرُ هذه البلاد الواسعة، أن تنطفئ كل جذواتها متقاربة، فنشهد رحيل مبدعي جيل كامل من التشكيليين والفنّانين والمغنين والروائيين والقصاصين. ونفشل في إعداد أجيال بعدها كوقع الحافر على الحافر على أقل تقدير، بينما يتوالد العسس والمخبرون، تحت الأسرّة، وخلف النوافذ، وتحت الحصى!
يسائلني شيطاني: لماذا يرتحل الفنانون وحدهم باكرًا، وخازنو البارود يرزلون في العمر؟ إنها مشيئة الله يا ساري الليل! إنه قد كُتب لمبدعينا أن يرحلوا باكرًا بزخم الإبداع، وليس بعمر السنوات! إن الأغنيات التي نسافر إليها في عيون من نهوى، لهي الأغنيات المفرحة، الفارطة في الحب والرضا البشري، وبحولها تستقيم الأماني، وتنجلي البصيرة، ويخفق القلب الحزين، مبدلًا حالة النهجان إلى توقٍ يعبر بنا جميعًا نحو الأمان وبروره الواسعة. في (زحمة مشاعر، أغني ليك، لا.. لا يا جميل).
في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وكنت في ذاك العهد صبيًا، احتشدنا جماعة كثيرة في منتصف سوق كوستي الكبير. وحولنا دكاكين وحوانيت، ومطاعم تنفرط من أقبيتها روائح الشواءات والتوابل الحادقة، يمشي بيننا حمّالون يجوسون خلال الديار، وعلى ظهورهم جوالات خيش خشن، وأشجار نيم حرّكت أغصانها زافرةً غيظ الظهيرة. توقفنا جوار فندق قليل النجمات، ونحن نرقب أشخاصًا غرباء يحملون معازف نحاسية وأبواقًا وحقائب متدليات من على كتوفهم، مثلما يحمل فني المبيدات في الحقل رشاشته. ذكّرني ذلك جدّةً لي – رحمها الله – أنها رمقت رجالًا يرفعون معدات، كانت آلات ساكسفون، وأبواق، وكلارنيت، وترمبونات ممتدة تتداخل في بعضها البعض حال العزف عليها، مخرِجة صوتًا غياظًا شبيهًا بصرير باب مكتبي القديم، ممّا يحدوني لتثبيته بقطعة طوب. وملامحهم عابسة، يدحرجون في ضجر (دَنَب) طبول أسطوانية، ومكبرات صوت مربعة الشكل، حتى أنها قالت: (الليلة ناس الجمكسين ديل ماشين وين؟).
أمام الفندق المتواضع، توقفت عربة، ترجل منها شخص شديد البياض، يرتدي بدلة زرقاء داكنة، وربطة عنق حمراء في نهار غائظ كنهارات كوستي التي تعرفونها! وقد بدا عليه إعياءٌ قليل من وعثاء سفر طويل، على طريق نصف مسفلت كثير الحفر. ورغم ما بدا عليه من تعب، فإنه أفرج عن ابتسامة واسعة وعريضة، وبصوت جهوري، وبتقعير قليل، قال: شكراً.. شكرًا!
كانت تلك أول مرة أرى فيها ذلك الفنان الباذخ الصوت، جميل الأداء، المسافر في مسامات عشقي الأول، بأغنياته الصادحة: (حبيبة قلبي، تفشّى الخبر، شاع وعمّ القرى والحضر). ولا تدركني نفسي الولهانة بشيطانها، إلا حين يأتي إلى فاصلة: (وأظنّي أقمت عليه الحصونا، وخبّأته من فضول البشر). وأيّ فضول في ذاكرة مفضوحة ليلها كنهارها؟ وأي إنسان أنا، الذي يشحذ بكارة اللحظة من فم مغنيها الرائع!
وبعدها ازدادت سنوات الغضب على هذه الأرض المنيّلة بنيلها الأبيض والأزرق والأنهار الأخرى، فما ازداد هذا الفنان إلا حبًّا لهذه الأرض النجيبة، بغمٍّ من التراث، وأسالَ من عذوبة أدائه: (الشيخ سيرو.. خمس أرادب عشاء.. خمس أرادب غداء). وفي ذاكرة طفولتي، إذا أظهر المَعازيم ضجرًا من نقص الوجبة، لأتى لهم أب العروس بـ(لوري فتّة.. وسوزوكي شطّة)!
يا فريد اللحون، يا غابةً من شجن، يا أصفى ذكريات تخلدها الأغاني في الوجدان المتعب، وأنك: (أغلى من عيني، وأغلى من ابتسامة). المهم، فإنه في مساء ذلك اليوم الكوستاوي المطرز بالفرح العميم، صدح عبد الكريم الكابلي كما لم يصدح من قبل. ناس كوستي – تعرفونهم جيدًا للمرة الثانية – تقاطروا زرافات ووحدانًا نحو سينما كوستي. الباعة محتشدون بقصب السكر، وبائعات الفول والتسالي، الحاجزات لهن أماكن مستديمة حول السينما. وبقايا أفلام: هندي ولا نرجع، وبطل لا يموت. وموتورات سوداء من نوع سوزوكي أبو عادمين، وعربات الباسطة التي دائمًا ما تجدها تنسحب على ثلاث عجلات رغم أنها أربعة!
لم يتسنَّ لنا دخول الحفل بسبب قيمة التذكرة، لكننا تحلقنا حول المبنى المضمخ بالأغنيات. وبين لحظة وأخرى، تتنزل على مسامعنا (صولة) عربيدة من ساكسفون أو كمان. والحشود تتدافع كأننا سنتلقى اللحون بأفواهنا المشرئبة نحو حائط السينما المرتفع. انبثت فوقنا غيمة لحون، مولولة ونافرة من شجون: (ماهو الفافنوس، ماهو القليد البوص، ود المك عريس خيلاً يجن عركوس.. أحي يا علي). كان في ليلته تلك قد “مزمّز” الأغنيات!
وكعادة الأحداث الكبيرة، بعدها يخرج الناس من الحفل نحو استديو صلاح أو استديو هوليود، ليوثقوا تلك اللحظة التاريخية بحضور مؤتلق، ببريق كاميرات عتيقة ذات الغرفة الأكورديونية. بعدها يطلب منك المصوّر الحضور لاستلام الصور بعد أسبوعين، تحسب الثواني لانقضاء المدة، لتشاهد ملامحك وأنت مشرّب بلحون كابلي!
ولي إحدى قريباتي، إذ صُدمت ذات مرة، وما استفاقت إلا على صوت عبد الكريم الكابلي يصدح: (أيّ صوت زار بالأمس خيالي، وأشاع النور في دنيا الجمال؟ إنه صوتي أنا..)!
وبعدها أدمنتُ صوته وكلمات أغنياته، وإننا بعنا نفوسنا المتعبة لتلك الآلات الحنونة، والكمنجات المتخذات مواضعهن كأخدانٍ بين الحنك وعظم الترقوة، مائلة يمينًا ويسارًا. والتوتر البائن على وجه العازف، وهو يحزم أوتاره تارة، ويطلقها تارة أخرى على رقبة آلته. ويعمل فينا قوس كمانه فيردينا شهيدًا تلو الشهيد. ونُصرع حين يعزف منفردًا: (سكر.. سكر.. وحاة عيني سكر.. وأكتر.. أحلى نغم في منظر). وبعدها تنهال علينا اللحون كالشظايا، وتخترق قلوبنا المنهكة من صدود الأحبة: (يا هاجر ليك رسالة)، و(في عز الليل وأنا مساهر)، و(يا ضنينًا بالوعد.. أهديتك حبي).
وحين يجترّني الأسى، فأبتلع كبسولةً من عنده: (كيف يهون عندك خصامي؟) أو التي تليها: (ما خلاص نسيتنا وخلّيتنا). وحين يسافر به الود نحو الجزائر: (أغلى من لؤلؤة بضّة صيدت من شطّ البحرين).
ويبقى في المكان نفسه: (الموز روى). وفي استغراقي الحقّ حالة الـ(هاف دوز) half dose، فيعلق اللحن بأعلى تركيزه في حواشي دماغي. إننا نكيل احترامًا متزايدًا لهذا المبدع الذي غنّى لنا، وغنّى لبناندونق الفتية، ولسوكارنو، ولأخت بلادي التي لم تكن لنا أختًا أبدًا.
قد نعود في جزء ثانٍ