شهد السودان في الأشهر القليلة الماضية أغزر الانفجارات العددية للقوارض، وكان ذلك وضعاً طبيعياً لتضافر عدة عوامل أدت إلى ذلك، من التغيرات المناخية وظروف الحرب، وتوقف عملية مكافحة الآفات القومية لفترات طويلة، مع المقدرة التناسلية العالية لهذه الحيوانات الثديية، فهي من الحيوانات ذات الجهد الحيوي التناسلي العالي وكذلك عديدة البويضات. انعكس هذا الوضع سلباً وخلق بيئة خصبة للشائعات والخرافات والتخويف من أحداث عظام قادمات.
اعتماد الجهات المختلفة التي لها علاقة بالمكافحة على طرائق تقليدية فاقم ذلك الوضع سوءاً بزيادة التلوث البيئي وزيادة استخدام الكيماويات وظهور صفة المقاومة في بعض أنواع وأجناس القوارض لمبيدات القوارض التقليدية والمتمثلة في فوسفيد الزنك والكليرات.
ويبدو أنه قد آن الأوان لتجريب طرائق أكثر حداثة، والتي نستصعبها نحن بوصفها طرائق مكلفة لا تصلح إلا في البلدان المتقدمة، وتكون تلك شماعتنا الدائمة وندخل في دوامة من القرارات الخاطئة. إن الأوان أن نجرب طرائق حديثة مثل تقنية تعقيم الذكور
Sterile male technique
وفيها تُجمع الذكور ويتم إحداث العقم فيها في المعامل ثم إطلاقها في الموائل الطبيعية للتزاوج، ويتم التزاوج لكن لا يكون لها المقدرة على الإنجاب، وتلقائياً تنخفض عشائرها بدرجة عالية دون تلويث البيئة، وهي مستخدمة في الولايات المتحدة الأمريكية ضد الدودة الحلزونية حيث يتم توزيع الحشرات العقيمة بالطائرات. كذلك يمكن استصحاب التجربة الأسترالية في التخلص من انفجارات الأرانب عن طريق المكافحة البيولوجية بإدخال فايروس myxoma في عشائر الأرانب، ونجحت نجاحاً كبيراً في ذلك. أيضاً يمكننا استخدام أجهزة الموجات فوق الصوتية في المنازل والفنادق لأن الفئران مقدرتها السمعية أكبر من مقدرة الإنسانة، فهي تسمع الموجات فوق الصوتية بينما يسمع الإنسان إلى حد 20 كيلوهيرز. تخلق لها هذه الموجات المنبعثة من هذه الأجهزة بيئة طاردة مؤثرة على سلوكها ونظامها الهرموني.
يجب أيضاً الاتجاه أيضاً لمبيدات أخرى غير التقليدية مثل الكلسيفيرول الذي يسبب زيادة في نسبة الكالسيوم في الجسم ويؤدي إلى تحجر الأعضاء الداخلية للقوارض، أو المبيدات ذات الأصل النباتي مثل نبات العنصل، وهذا المبيد يستفيد من خاصية أن القوارض لا تستطيع التقيؤ فيعطي فاعلية عالية بإيصال الجرعات السامة، وكذلك مبيدات مثل النوربورمايد والبرومثالين.
في الختام أود أن أضيف أن مكافحة القوارض لن تنجح ما لم تكن مسؤولية مجتمعية دائمة، وتغيير سلوكياتنا تجاه التخلص من النفايات، وتفعيل الطرائق الحديثة لتدويرها، وفصل النفايات الصلبة من السائلة، وابتكار أيام إصحاح بيئي تنتظم كل الدولة. بالنسبة للمزارعين يجب أن تتضافر جهودهم مجتمعة في مكافحة هذه الآفة الخطيرة، مثل استخدام طريقة البطانية في الحقول في المكافحة، أو ما يعرف blanket system حيث يتوزع المزارعون في المزرعة في شكل حلقة دائرية ويضيقون الخناق على القوارض بحصرها في مركز الدائرة وإبادتها بعد ذلك، ثم يتم التحول للحقل المجاور، وهكذا دواليك، مع استخدام المبيدات مضادة التجلط وهي آمنة بيئياً لدرجة كبيرة.
على وسائل إعلامنا أيضاً إتاحة الفرصة للعلماء والباحثين في تنوير المجتمع ودحض الشائعات بالأساليب العلمية الرصينة، وفي هذه السانحة أود أن أقدم عظيم شكري وامتناني لحكومة ولاية الجزيرة ممثلة في شخص السيدة وزيرة الإنتاج والموارد الاقتصادية لتكوينها فريقاً علمياً كامل الدسم للتقصي، وكان التقرير العلمي الضافي الذي صار مرجعية لكل الولايات الأخرى. كما يمتد شكرنا أيضاً للسيد مدير جامعة الجزيرة الذي وجه تقاريرنا في هذا الشأن لعمادة البحث العلمي والابتكار بالجامعة لتنفيذ عدد من الأبحاث العلمية في هذا المجال، وبإذن الله نحن بصدد تكوين فرق بحثية للتقصي والتحقق وابتكار الجديد، والله ولي التوفيق.
——–
* أستاذ المبيدات والسموم جامعة الجزيرة




