ملامح.. محاسن عثمان نصر الصحافة بين حماية القانون ومسؤولية الكلمة

مثّلت الوقفة الاحتجاجية التي نفذها صحفيو السودان بالأمس أمام مقار النيابة العامة في عدد من الولايات محطة مفصلية في مسار العلاقة بين المهنة والإطار التشريعي المنظم لها، إذ عكست حجم التحديات التي تواجه العاملين في الحقل الإعلامي في ظل بيئة قانونية لم تعد، بحسب تقديرات واسعة، مواكبة لتطورات الممارسة أو كفيلة بتوفير الحماية اللازمة.
تركزت مطالب المحتجين على مراجعة قانون الصحافة والمطبوعات بما يعزز الضمانات المهنية، ويكفل حرية الأداء دون قيود غير مبررة، إلى جانب وقف إخضاع الصحفيين لقانون جرائم المعلوماتية في القضايا المرتبطة بالنشر. ويستند هذا التوجه إلى ضرورة التمييز بين الجرائم ذات الطابع التقني وطبيعة العمل الإعلامي الذي تحكمه معايير مهنية قائمة على حق الحصول على المعلومات ونشرها في إطار المصلحة العامة.
وتؤدي الصحافة دورًا محوريًا في دعم مسارات الإصلاح، عبر تسليط الضوء على القضايا العامة، ومراقبة الأداء، وطرح الأسئلة التي تسهم في تحسين جودة القرار. ولا يقتصر تأثيرها على نقل الوقائع، بل يمتد إلى بناء وعي مجتمعي قائم على التحليل والمعرفة، الأمر الذي يجعل أي تضييق على هذا الدور ذا انعكاسات مباشرة على فرص التطوير المؤسسي.
كما يثير توظيف قوانين غير متخصصة في معالجة قضايا النشر إشكالات تتعلق بمدى ملاءمتها لطبيعة العمل الإعلامي، إذ قد يؤدي التوسع في تطبيقها إلى تقييد المبادرة، وإضعاف القدرة على تناول القضايا الحساسة بقدر كافٍ من الشفافية، فضلًا عن خلق حالة من الحذر المفرط تؤثر على عمق التغطية.
في ظل التحولات التي يشهدها السودان، تبرز الحاجة إلى تطوير الإطار التشريعي بما يحقق توازنًا بين الحقوق والواجبات، ويواكب متطلبات المرحلة. فالقوانين الفاعلة هي التي تنظم حرية التعبير ضمن حدود المسؤولية، وتوفر حماية واضحة دون أن تفتح المجال لتفسيرات قد تُستخدم لتقييد العمل المشروع.
ويتطلب تعزيز البيئة المهنية تفعيل أدوات التنظيم الذاتي داخل الوسط الصحفي، عبر الالتزام بمواثيق الشرف ودعم المؤسسات المعنية بالضبط المهني، بما يسهم في ترسيخ معايير الجودة والحد من التجاوزات، دون اللجوء إلى إجراءات قانونية مشددة. كما تشير التجارب المقارنة إلى أن الإعلام المستقل يسهم في دعم الاستقرار من خلال تعزيز الشفافية، والحد من تداول المعلومات غير الدقيقة، ورفع مستوى الثقة بين المجتمع ومؤسساته، فضلًا عن دوره في الكشف المبكر عن مواطن الخلل ومعالجتها.
*ملمح دامي*
تتزامن هذه التحركات مع واقع ميداني معقد، حيث شكّلت أحداث مجزرة مستشفى الجبلين مأساة إنسانية أودت بحياة عدد من الأبرياء، بينهم أطفال وكوادر طبية، في وقت تتجه فيه الجهود نحو التعافي. وتمثل هذه الحادثة خسارة فادحة لما لها من أثر مباشر على الخدمات الصحية ومسار الاستقرار المجتمعي، بما يعكس حجم التحديات التي لا تزال تعترض طريق التعافي.
*ملمح مختلف: عودة تُعيد التوازن*
في المقابل، تمثل عودة الأمم المتحدة إلى مقرها في الخرطوم خطوة ذات دلالات إيجابية، إذ تعزز الثقة الدولية، وتدعم جهود التعافي المؤسسي، وتسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية، إلى جانب رفع كفاءة العمل الإنساني والتنموي، بما يدعم فرص الاستقرار ويعزز مسارات إعادة البناء.


