
تابعنا بالأمس جولة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في مناطق “سرحان” و”طيبة الشيخ عبد الباقي” بفخر واعتزاز؛ إذ لم تكن مجرد تفقد عسكري عابر، بل وقوفًا مسؤولًا على “جرح الأرض” في ولاية الجزيرة، واعترافًا بمظلمة تاريخية لإنسانٍ أعطى الدولة كل شيء ولم يجد منها إلا القليل. هذه الزيارة، في توقيتها ودلالاتها، تمثل نقطة تحول في مسار “معركة الكرامة”، حيث أعادت ترتيب الأولويات الوطنية، واضعةً إنسان الجزيرة الصامد في مقدمة قطار التحرير والبناء.
في “سرحان”، تجلت أسمى صور المقاومة الفطرية التي لا تعرف المزايدة. إن إشادة القائد العام بتجربة الدفاع عن العرض والأرض انحناءة تقدير لصدق “إنسان الريف” الذي لم ينتظر إذنًا ليذود عن عرضه وأرضه. ومن وسط هذا الصمود، برز الأمير الطيب الإمام جودة كرمز وطني خالص؛ فالعقوبات الأوروبية الجائرة التي فُرضت عليه لم تكن، في نظر أهل السودان، إلا “وسام استحقاق” يثبت أن الرجل أوجع المليشيا وأفشل مخططاتها التوسعية. إن دعم البرهان له من قلب الميدان رسالة للعالم بأن قادة المقاومة الشعبية هم خط الدفاع الأول عن بقاء الدولة، ولن تزيدهم الضغوط الخارجية إلا التحامًا مع القواعد التي ترى فيهم الحامي الحقيقي للأرض.
وكذلك حملت زيارة الرئيس لرحاب “طيبة الشيخ عبد الباقي” أبعادًا روحية واقتصادية تدمج بين قدسية “المسيد” وعراقة “المشروع”. فقد أكدت الزيارة أن الطرق الصوفية في السودان ليست مجرد دور للعبادة، بل صمامات أمان للنسيج الاجتماعي. وفي حضرة السجادة القادرية، تجلى الدور المحوري للمسيد في ترسيخ القيم الوطنية، حيث برز “مشروع الجزيرة” كعنوان لا يقبل التأجيل. إن تعهد البرهان بإعادة المشروع لسيرته الأولى يمثل “حبل إنقاذ” لقلب السودان النابض، والرد العملي الوحيد على محاولات تفتيت وحدة الولاية عبر دعاوى “الكنابي” الوهمية التي لا توجد إلا في مخيلة المرجفين.
وكان الوجه الآخر للزيارة غارقًا في الأوجاع الإنسانية؛ إذ لمس السيد البرهان جرح الجزيرة النازف، المتمثل في التهميش الخدمي الذي يعانيه إنسان الجزيرة؛ من طرق متهالكة تعيق ربط الإنتاج بالمدن، إلى أزمات المياه والكهرباء، وتوقف صناعة الغزل والنسيج بالولاية، مما أفقدها قيمة إضافية كانت كفيلة بتغيير واقع الاقتصاد القومي. وما يزيد المرارة هو ما يواجهه “المزارع الكادح” اليوم؛ ذلك الذي تحوّل بفعل الحرب من منتج يقود الاقتصاد إلى ضحية لعمليات ابتزاز وشراء للذمم من جهات تحاول استغلال عوزه لتمرير أجندات مشبوهة تستهدف الهيمنة على مستقبل المشروع. إن المزارع الذي نُهبت آلياته وأُحرقت محاصيله يحتاج اليوم إلى “خطة عبور” حقيقية تعيد له اعتباره وللمشروع هيبته.
ختامًا..
يستقبل إنسان الجزيرة هذه الزيارة برأسٍ مرفوع، لا بوصفها منّة، بل اعترافًا مستحقًا بصبرٍ طويل وتضحياتٍ صامتة. فهي رسالة احترام لأهلٍ عرفوا حقوقهم وحموا أرضهم بإرادتهم الحرة، وظلوا أوفياء للدولة دون أن يساوموا على كرامتهم. الجزيرة اليوم لا تحتاج من يتحدث باسمها من خلف المنصات، بل من يسمع صوتها كما هو؛ صوت المزارع، وشيخ المسيد، وحارس الحواشة. هنا تُصاغ المواقف بعيدًا عن الضجيج، وتُثبت أن إنسان الجزيرة قادر على الدفاع عن حقوقه وصناعة مستقبله بثقةٍ واستقلال، دون وصاية ولا مزايدين.
كسرة:
آن الأوان لتعزيز جهود البناء، ومحاصرة الفساد بلا تردد، حتى تنهض الولاية على أساس العمل والعدل، لا على ضجيج الشعارات. إنسان الجزيرة يستحق أن ينعم بخدمات وبنى تحتية متكاملة.



