هل ستكون زيارة البرهان لمصفاة الجيلي ضربةً موجعةً لتجّار أزمات المواد البترولية؟

ما إن يخرج السودان من أزمةٍ حتى تبتلعه أخرى. فمنذ الاستقلال، لم ينعم أهله باستقرارٍ سياسي؛ بل لعلّ الحكومات العسكرية الانقلابية كانت أكثر استقرارًا من نظيراتها المدنية، التي كثيرًا ما تسقط عند أول اختبارٍ لتطبيق الديمقراطية. وليس ذلك فحسب، بل إن جلّ الحكومات المدنية ينصبّ اهتمامها على تمكين منسوبيها في مفاصل الدولة، الأمر الذي يضاعف العبء على المواطن المكتوي بنيران الأزمات الاقتصادية، ويُسهم في تراجع التنمية وسوء توزيع الثروة بين مكوّنات المجتمع السوداني.
الحرب الدائرة الآن بين القوات المسلحة والمليشيا المتمردة، والمدعومة – بحسب تقارير – من بعض الدول العربية والأفريقية، إلى جانب التدمير الممنهج الذي طال مصفاة الجيلي، كل ذلك، مع تداعيات التوترات الدولية، أسهم في خلق أزمةٍ حادة في تكرير المواد البترولية.
في هذا السياق، تأتي زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان المفاجئة لمصفاة الجيلي، لتؤكد أن الدولة تتابع الملف عن قرب، وقد تمثّل نقطة تحوّل حقيقية إذا ما أعقبتها قرارات عملية. فمصفاة الخرطوم بالجيلي كانت قبل الحرب تغطي نحو 70% من احتياجات السودان من الوقود، بطاقةٍ تصميمية تبلغ 100 ألف برميل يوميًا. لكن بعد استهدافها وتوقفها في عام 2023م، أصبح السودان يعتمد كليًا على الاستيراد، ما أدى إلى تضاعف أسعار الوقود ثلاث إلى أربع مرات، وفتح الباب واسعًا أمام السوق السوداء.
المصفاة التي نفذتها شركة CNPC الصينية، تظل الأقدر على صيانتها في أسرع وقت ممكن، بحكم امتلاكها للمخططات وقطع الغيار والخبرة الفنية.
إن زيارة البرهان قد تُسهم فعليًا في تحريك ملف الصيانة. وحتى لو تم تشغيل نصف الطاقة الإنتاجية فقط، فإن ذلك كفيل بتقليل الاستيراد، وربما خفض أسعار الوقود بنسبة تتراوح بين 30% و50%. غير أن هذا السيناريو لن يروق لمافيا الاستيراد، التي تجني مليارات من فروقات الأسعار وسعر الصرف؛ إذ إن تشغيل المصفاة يهدد مصالحها بشكل مباشر. ومن هنا، يصبح التعطيل المتعمّد عبر البيروقراطية أو تأخير التمويل احتمالًا قائمًا، خاصة في ظل ظروف الحرب.
التقارير تشير إلى وجود جهات تقف حائلًا دون تشغيل المصفاة. وتبدو زيارة البرهان وكأنها محاولة لكسر هذه الحلقة؛ إذ حرص على عدم اصطحاب مسؤولين، مفضّلًا الاستماع مباشرةً للعاملين، بعيدًا عن “فلترة” التقارير الرسمية. رسالة الزيارة كانت واضحة: ملف المصفاة بات تحت نظر أعلى سلطة في البلاد، وأن المتابعة ستكون دقيقة، وقد تطال كل من أعاق أو أخّر إعادة التشغيل.
ومع ذلك، فإن إعادة تأهيل المصفاة ليست قرارًا سياسيًا فحسب، بل هي ملف فني معقّد يتطلب حسمًا إداريًا، قد يصل إلى إعادة هيكلة إدارات المصفاة، وتفكيك شبكات المصالح المرتبطة بعقود الاستيراد.
إن قرار إعادة التأهيل – إن تم بجدية – سيصب مباشرةً في مصلحة المواطن عبر خفض الأسعار. أما الاكتفاء بإقالات إدارية مع استمرار الاستيراد، فلن يكون سوى تحسّن شكلي، يبقي الأزمة قائمة ويُبقي الأسعار مرتفعة.
الزيارة، في تقديري، ستُحدث هزّة داخل أروقة المصفاة، وربما تمتد إلى وزارة الطاقة، وقد تُسرّع من خطوات الصيانة الجزئية. لكن الأهم أن تكون المعلومات قد وصلت كاملةً للفريق البرهان، وبالأسماء، حتى يكون التغيير حقيقيًا لا شكليًا.
(خَمَّة نَفَس)
بحسب المصادر، من المتوقع صدور قرارات خلال الأيام القليلة القادمة، بتشكيل لجان فنية عليا للتعاقد مع الشركة الصينية المنفذة للمصفاة. وهنا يمكن القول إن العجلة بدأت بالفعل في الدوران.
غير أنه، إن خرج إلينا بيان شكرٍ وتقديرٍ للعاملين فقط، فعلينا أن نقرأ الفاتحة على الأمل، ونقول: “يا دنيا عليك السلام”؛ وتكون الزيارة حينها مجرد “خَمَّة نَفَس ساكت”.



