
تعيش مدينة ود مدني، حاضرة ولاية الجزيرة، أوضاعاً بيئية وصحية متدهورة تنذر بكارثة حقيقية، بعد أن غمرت مياه الأمطار شوارع المدينة وتكدست النفايات في الأحياء والأسواق، مسببة انتشار الروائح الكريهة وتكاثر الحشرات والقوارض، في ظل غياب واضح للجهات المختصة بإصحاح البيئة.
تحولت شوارع المدينة وأزقتها إلى مكبات عشوائية للنفايات، وسط شكاوى المواطنين من عدم انتظام عربات النظافة، التي تقتصر غالباً على الطرق الرئيسة، بينما تُترك الأحياء الداخلية دون خدمة. هذا الواقع دفع الأهالي إلى التخلص العشوائي من النفايات أمام المنازل، فتتناثر مع الرياح أو تنبشها الحيوانات الضالة، مما حول المدينة إلى مشهد من الفوضى والتلوث.
ورغم امتلاك المحلية لآليات ومعدات نظافة، إلا أن ضعف الإدارة وغياب التخطيط جعلا الأزمة تتفاقم، في ظل عدم وجود مكب نفايات صحي ونقص عربات النقل. وتبرر السلطات ذلك بشح الموارد وصعوبة التشغيل، لكن مراقبين يرون أن الأزمة في جوهرها إدارية وتنظيمية أكثر من كونها مالية.
ويرى مختصون أن الحل لا يكمن فقط في زيادة الموارد، بل في إصلاح منظومة العمل والرقابة وتفعيل المحاسبة، ووضع خطة مستدامة تشمل جمع النفايات وفرزها وإعادة تدويرها لتحويلها من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي.
ورغم هذا التردي البيئي، شهدت المدينة مبادرات شبابية ومجتمعية تطوعية لتنظيف الأحياء والأسواق، إلى جانب مساهمات من القوات المساندة لقوات الشعب المسلحة في إعادة تأهيل بعض الشوارع. ورغم محدودية هذه الجهود، فإنها عكست روح “النفير” والتكافل السوداني في مواجهة الأزمات، وحظيت بإشادة المواطنين الذين رأوا فيها بارقة أمل وسط تقاعس الجهات الرسمية.
لكن الناشطين يؤكدون أن تلك المبادرات ليست بديلاً عن الدور الحكومي، لافتين إلى أنها تفتقر إلى الدعم الفني واللوجستي اللازم لمواجهة التراكم اليومي للنفايات.
إن أزمة النفايات في ود مدني تجاوزت كونها مسألة خدمية لتصبح تهديداً مباشراً للصحة العامة، ما يتطلب تحركاً عاجلاً من حكومة الولاية والسلطات المحلية. ويطالب المواطنون بوضع خطة شاملة لإدارة النفايات تبدأ بإنشاء مكب صحي آمن، وتوفير آليات النقل والوقود بانتظام، إلى جانب إطلاق حملات توعية حول أساليب التخلص السليم من النفايات.
ود مدني اليوم بحاجة إلى تدخل عاجل وحاسم يعيد إليها بريقها ونظافتها، فالبيئة النظيفة ليست ترفاً، بل شرط أساسي لحياة صحية وآمنة ومستقبل حضري يليق بتاريخ المدينة ومكانتها في قلب السودان.




