ويبقى الوطن

فليس الوطن حزباً.. ولا…ولا..وهذا ما جعل السودان يتجرع كأسات الويلات والجراحات والإستهداف الحالي.
في خضم الاضطرابات التي تعصف بالسودان، حيث تتنازع الفصائل وتتصاعد حدة الخطابات، كصدى عميق يلامس جوهر الأزمة. ” الوطن ليس حزباً ولا…. ” الوطن هو ما يبقى حين تنطفئ الشعارات وتبقى القيم. قد يبدو التفسير بسيطاً في الظاهر يطوي الزمان والمكان، ولكنه يجسد الواقع السوداني المؤلم اليوم.
ولطالما كان السودان، في تاريخه الحديث، أسيراً للإنتماءات الضيقة، سواء تموضعت حزبيه أو قبلية أو بالوكالة. يظنون بأنفسهم أنهم يمثلون السودان وآخرون جعلوا السودان وراثة لهم، وأن خلاص الوطن في سيطرتهم عليه. بهذه الدونية تشربت رؤيتهم القاصرة إلى صراعات لا أول لها ولا آخر، فكل طرف ينظر إلى الآخر عدواً لازم إقصاؤه، لا شريك في بناء وطن مشترك.
فالحزب، كل حزب، مهما تم تلميع شعاراته وأفكاره و فلسفته، يظل كياناً محدوداً ببرامجه وعضويته. حتى الجيش نفسه يصبح أداة قمعية إذا ما أنحرف عن دوره الأساس وأنغمس في السياسة، وكذلك الحاكم، مهما كانت سلطته، فهو فرد زائل يوماً ما. الوطن، في حقيقته، أكبر وأبقى من كل كيان مجتمعي.
إن ما نشهده اليوم في السودان هو حرب شعارات جوفاء فارغة.
شعارات تتحدث عن الوطنية والحرية والعدالة، بينما الواقع يصرخ بالخراب والدمار والمعاناة. فالحرب الدائرة شردت الملايين، وقتلت الآلاف. ودمرت النسيج الإجتماعي. وفي خضم هذا العبث، لا تزال بعض الأطراف تراهن بشعاراتها غير عابئه بالثمن الباهظ الذي يدفعه السودان.
” الوطن هو مايبقى حين تنطفئ الشعارات وتبقى القيم” إنها قيم وسيادة القانون، والمسؤولية المشتركة تجاه بناء مستقبل أفضل. هذه هي اللبنات الأساسية التي تُبنى عليها الأوطان الحقيقية، والتي تعلو وترتقي فوق المصالح الرخيصة والشعارات الوهمية.
الناظر إلى حال سوداننا اليوم يعرف جيداً مدى حوجتنا إلى صحوة وطنية حقيقية. صحوة تعبر بنا إلى تجاوز الخلاف وإيجاد أرضية مشتركة مبنية على القيم النبيلة الفاضلة.
لزاماً، على القيادات السياسية والعسكرية والأهلية والناشطين في البلاد أن تستوعب هذه الرؤية العميقة. يجب عليهم أن يدركوا أن الإستمرار فيما يجري لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والشقاء، فما من سبيل للخروج من هذه الأزمة إلا وضع مصلحة البلاد فوق كل إعتبار، وأن يجتمع الجميع حول القيم المشتركة التي تجمع السودانيين، لا الشعارات التي تفرقهم.
إن مستقبل السودان لا يكمن في انتصار هذا أو ذاك، بل في قدرة كل المواطنين على إعادة بلورة القيمة الحقيقية للوطن، وتأسيس دولة منهجها العدل والسلام والتنمية والتعايش، دولة حيث تنطفئ الشعارات المستدامة. دولة حيث تنطفئ الشعارات العابرة، وتبقى القيم المتجزرة هي الضياء الذي يهدي الكل نحو مستقبل واعد معافى.




