أعمدة

فكرة وراي.. ✍️ بدر الدين عمر.. الري صخرة الصمود وعنوان للتضحية والفداء

 

عندما يتعامل بعض من منسوبي الإعلام والصحافة بشيء من قلة الحياء، وبعيداً عن أدب وشرف المهنة، في ظل سموات أصبحت مفتوحة تستقبل وترسل الصالح والطالح، والغث والثمين، والغالي والرخيص، تصبح الصحافة حقيقة هي مهنة من لا مهنة له.

فليس كل من حمل جهازاً ذكياً وارتدى بدلة بها شعار، وحمل في يده مايكاً، هو صحفياً أو إعلامياً صاحب رسالة سامية تعزز الإيجابيات وتصحح السلبيات وتضع خارطة طريق وتعبد المسار.

ليس أولئك الذين تسوقهم أهواؤهم الرخيصة اعتقاداً منهم أن كل من يجلس على كرسي المسؤولية – الذي هو أحرّ من الجمر – أخوف من النعامة وأجبن من أرنب البراري.

وهم في غيّهم يعمهون، فتناسوا أن هناك رجالاً بهذه الدولة استطاعوا أن يقودوا مؤسساتهم في أحلك الظروف وأسوأ الأيام.
وعلى سبيل المثال، وحصراً، وكيل الري الوزير المكلف وقتها لوزارة الري والموارد المائية – بل لوزارة الصمود والجسارة والفداء – الذي استطاع مع أركان حربه وسلمه من عمّال ومهندسين، شيباً وشباباً، رجالاً ونساءً، أن يجعلوا من الوزارة المحرك الأوحد لعجلة الاقتصاد في البلاد.

بل الوزارة الوحيدة التي كان منسوبوها يجوبون المشاريع الزراعية من ترعة إلى ترعة، ومن ميجر إلى آخر، ومن مدينة آمنة إلى مواقع ملتهبة، وكان صوت الرصاص هو الأعلى.
وهم بحكم وطنيتهم لا يبالون من أجل أن لا يجوع السودان، وكان هذا شعاراً يتردد على ألسنة كبار قادة الدولة: “لن يجوع السودان”.
وفعلياً نجح موسم 2023-2024م، وكأن ولاية الجزيرة – التي سقطت بنسبة أكثر من 90٪ – كانت بلا حرب وبلا جنجويد، وبفضل الله أولاً، ثم الجيش المسلح، والجيش الأزرق مهندسي وعاملي وزارة الري على قلب رجل واحد من وزيرها إلى غفيرها.

وفي ذات الوقت الذي كان فيه الجميع يلتزم جحره كالضب خوفاً من الموت، أو فرّ هارباً داخل أو خارج السودان وهو يردد “نفسي نفسي”، كان العامل بوزارة الري يقول: “أنا لها، أنا لها” أسوةً بالشفيع المشفع صلى الله عليه وسلم.
فأُمنت الخزانات والسدود صيانةً وتشغيلاً كأن البلد في حالة سلم لا في حالة حرب.

وبعنفوان الشباب وتراكم الخبرات، أدارت الري عجلات التنمية والزراعة، وحافظوا على معدلات المياه لتوليد الكهرباء في المدن الآمنة، وتدفقت مياه الري أينما وجد الإنسان في المشاريع المروية الآمنة وغير الآمنة آنذاك، في ظل حرب كادت أن تقضي على وطن أخضر بالفطرة.

صمد رجال الري في إدارة خزانات البلاد دون خوف من موت محقق ينتظرهم، كما أداروا ترع ومواجر مشروع الجزيرة ومطر الرصاص فوق رؤوسهم، فرووا الأرض وسقوا الإنسان والحيوان، في وقت لم توجد فيه مياه إلا مياه الري في القنوات في تلك الأيام العصيبة، أيام الحرب والذلة والإهانة.
صمد رجال الري ووفروا المياه، إن لم تكن للزراعة فكانت لسقيا الإنسان والحيوان والطيور في هضبة المناقل وغيرها.

صمد رجال الري عندما أعلنوا للجميع بأن السودان لن يجوع ولن يُذل ولن يُهان، وفوق أرضه رجال كالأسود الضارية يواصلون عملهم ليلاً ونهاراً، وسط الهجير وتحت المطر وعزّ الشتاء، صمدوا وضحّوا من أجل عيون شعب لا يعرف الهزيمة.

فالتحية لإدارة عمليات الري بحجم مكعبات المياه التي وفرتها لمشروع الجزيرة والمشاريع الأخرى، فكان نجاح موسم 2023-2024م طوق النجاة وتحدياً عرف العالم أجمع من خلاله صلابة الزول السوداني الذي هو في الشدة بأس يتجلّى.

إنها وزارة الري – مهندسين وعاملين وخبراء مياه – عرفهم أدغال إفريقيا من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها.
استطاعوا أن يديروا الأزمة بحنكة واقتدار وببسالة وفدائية دفاعاً عن الوطن وعن موارده المائية.
وزارة الري التي لا يعرف قيمتها الهوام من الناس وساقطو الفكر والإدراك.

فالتحية بقدر عظمة الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، للعاملين بالإدارات العامة:
الميكانيكا والكهرباء، المشروعات، الخزانات، مياه النيل، الجهاز الفني للموارد المائية، المياه الجوفية والوديان، وناس القاش وطوكر.

إنهم رجال الري والموارد المائية، ظلوا على العهد الذي قطعوه على أنفسهم تحت شعار: “نحن بالروح للسودان فداء”.

التحية للعاملين بالخزانات: (سنار – الرصيرص – خشم القربة – أعالي عطبرة وسيتيت – مروي – وجبل الأولياء، الصمود والتحدي).
والتحية للعاملين بالطلمبات: (مينا – السوكي – وخزان أبو رخم، وبالمشاريع الزراعية الجزيرة والمناقل – حلفا – الرهد – السوكي – القاش – وطوكر).

فعندما لاذ الجميع بالفرار، كانت سيارات الري وكراكاته وتوازراته ولواريه وفناطيز وقوده – على قلّتها – تجوب أرض الوطن جيئةً وذهاباً، حتى لا يعطش الطير في بلادي، ناهيك عن الإنسان الذي كرّمه الله.

ما ساقني لكتابة هذا المقال، وبهذا النفس الحار – حرارة أهل الري – ما تناوله أحد منسوبي الصحافة الإلكترونية، الذي تعامل بردة فعل غير مبررة عندما تم الاعتذار له بكل طيب خاطر لتأجيل اللقاء المتفق عليه لحدوث ظرف طارئ.

ولأن الوطن فوق الجميع، ولا مجال لنا لعكس إنجازات وتضحيات أهل الري عبر صحيفته، فهم لا يحتاجون إلى ذلك، فأينما نبت زرع كان الري، وأينما شرب إنسان أو حيوان كان الري، وأينما كان الفداء والتضحية كان الري، وكانا الأمنين المائي والغذائي.

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى