
في قلب مدينة ود مدني، وبين جدران قصر الثقافة الذي طالما احتضن الأنشطة الفكرية والإبداعية، تقف المكتبة العامة شاهدًا على مأساة الحرب وصمود الثقافة. فبعد ما تعرضت له من نهب ودمار شامل جراء عدوان مليشيا الدعم السريع على ولاية الجزيرة، بدأت المكتبة رحلة شاقة لإعادة الحياة إلى رفوفها وإحياء رسالتها في خدمة العلم والمعرفة.
دمار ونهب شامل للمكتبة
كشفت مساعد أمين مكتبة قصر الثقافة بود مدني الأستاذة صفية يوسف عن حجم الدمار الذي لحق بالمكتبة العامة التابعة لوزارة الثقافة والإعلام بولاية الجزيرة، مشيرة إلى أن الاعتداء أدى إلى نهب كل الأجهزة الكهربائية وأجهزة الحاسوب، بجانب عدد كبير من الكتب في مختلف المجالات الدينية والعلمية والثقافية والأدبية والتاريخية.
وقالت صفية إن الكتب المنهوبة تضمنت سلاسل منقحة في الفقه والتفسير ومؤلفات نادرة لعلماء مثل سيبويه، فضلًا عن كتب في الطب والكيمياء والتربية، مضيفة أن الأضرار شملت كذلك تخريب الأثاث الإداري والأرشيف الورقي والرقمي، مما أثر بصورة مباشرة على عمل المكتبة وتنظيمها.
فقدان للأثاث والمقتنيات
أوضحت مساعد أمين المكتبة أن عملية النهب طالت أيضًا جميع مقاعد الجلوس البالغ عددها نحو مئتي كرسي، إلى جانب مكاتب الإدارة وملفات الأرشفة، مما تسبب في خسائر كبيرة في البنية التحتية وتعطيل العمل لعدة أشهر.
وأكدت أن العاملين بالمكتبة واصلوا عملهم بإصرار رغم الظروف الصعبة، وسعوا إلى استعادة النظام الداخلي وتنظيف المكان وإعادة ترتيبه من جديد.
إعادة الترتيب بعد التحرير
روت الأستاذة صفية أن عملية إعادة ترتيب الكتب والمقتنيات بدأت عقب تحرير ود مدني، تحت إشراف أمين المكتبة الراحلة الدكتورة زينب موسى لها الرحمة والمغفرة التي كانت تتابع سير العمل من مصر، موضحة أن الفريق تمكن من جمع الكتب المبعثرة على الأرض وتصنيفها مجددًا رغم انقطاع الكهرباء وانعدام التهوية والإنارة داخل القاعة.
وأشارت إلى أن الجهود أثمرت عن إعداد مصنف جاهز للعرض في صالة الاطلاع، وهو ما أعاد بعض الحياة إلى المكتبة رغم محدودية الإمكانات.
رؤية للتطوير والتحديث
أعلنت مساعد أمين المكتبة عن خطة طموحة لتطوير المكتبة العامة وترقيتها لتواكب رصيفاتها في العالم العربي، مؤكدة السعي لتوسيع مساحتها وإنشاء قسم متكامل للكتب الإنجليزية، وهو مشروع بدأ العمل فيه فعليًا ضمن الإمكانيات الذاتية.
وأضافت أن الخطة تشمل كذلك إقامة معرض كتاب سنوي يصاحبه ليالٍ ثقافية وندوات تفاكرية وملتقى للشعراء والقصّاصين، بهدف إحياء الدور الثقافي والمعرفي للمكتبة وتوسيع تأثيرها في الوسط الثقافي بولاية الجزيرة.
رغم الجراح التي خلفتها الحرب، تظل مكتبة قصر الثقافة بود مدني رمزًا لصمود الفكر أمام الخراب، ونافذة مفتوحة للأمل والمعرفة. وبين رفوفها التي أُعيد ترتيبها بإصرار، تنبض إرادة العاملين فيها لاستعادة مجدها الثقافي وتأكيد أن الكتب لا تُهزم، حتى وإن احترقت أوراقها أو سُرقت من رفوفها، فالفكر باقٍ، والثقافة أقوى من الرصاص.




