الرفق بود الفيل

دق الجرس رن… رن… رننن، وقفت الحركة، لعب الكورة، ونسه وغيرها، لفت نظري تحرك الصغار بهمة ونشاط وتدافع نحو باب المدرسة غير مسبوق، رغم كثرة المدارس بجانب هذه المدرسة المقصودة، ووقفت أتأمل هذا الجذب اللاشعوري، أكيد وراءه ما وراءه. وكنت في أول يوم أخطو فيه معلمة مختارة لهذه المدرسة، فدخلت ووقفت بجانب الحائط قبل أن أقدم أوراق اعتمادي.
ورأيت العجب الذي لم أشاهده في حياتي التعليمية، طابور ينطق علماً وأدباً وشهامة ورجالة وصحة نفسية، حسيت بأن هؤلاء الصغار رجال يعظمون الموقف بإدراك ووعي، ولا أخفي عليكم دب فيّ الخوف، وسألت نفسي من يكون هذا المدير الذي إذا وقف فقط سكنت الأرض ومن فيها، وإذا تكلم برقت العيون شوقاً وحباً وعلماً.
وبعد إكمال مراسم الطابور العميق دخلوا الطلاب للفصول والصمت يتابعهم، دق جرس بدء الحصة، ومنظر آخر كل أستاذ حمل وسائله ودخل في همة لفصله.
جريت نفساً عميقاً ودخلت مكتب المدير وكأني داخلة على وزير التربية والتعليم مما أشعر به من رهبة، وقف ورحب بي وقال أنت بين أهلك وناسك، هنا تنفست وارتاحت نفسي، وبعدها رأيت في المدرسة انضباطاً لم أشهده في حياتي، والنتيجة كانت آخر العام لم يرجع أحد، النجاح كان بامتياز لكل الدفعة، والشاهد أن هؤلاء الطلاب الذين أشرفت على تدريسهم مع زملائي بصحبة هذا المدير منهم الآن المعلمون والأطباء والمهندسون والطيارون ورجال الأعمال والحدادون والمزارعون والعمال المهرة، والكل ناجح في حياته بصورة لا تتصوروها.
طبعاً الآن اشتقتم أن تعرفوا من هذا المدير؟ هو (عثمان الفيل)، وما أدراك ما عثمان الفيل، الذي قضى حياته وأفناها من أجل ما ذكرت لكم أعلاه وأكثر من ذلك، ولم أوفه حقه لو كملت شجر الدنيا أقلاماً وأبحارها حبراً.
ولكن أين ود الفيل الآن؟ طريح الفراش منذ سنتين يتغذى بأنبوب تغذية في سرير وسط داره. سؤالي أولاً لوزارة التربية والتعليم بولاية الجزيرة: هل هذه نهاية كل أستاذ كأنه لم ينفع البلد يوماً؟ وثانياً سؤالي أين أنتم يا من تخرجتم على يده؟ هل حالته ميؤوساً منها؟ كيف ذلك والأعمار بيد الله. أجيبوني يا دكاترة الحلة ويا مهندسين ويا رجال أعمال ويا مزارعين ويا.. ويا ويا.. والقائمة تطول، أليس منكم رجل رشيد؟ وأخيراً: (ارحموا عزيز قوم ذل).



