
كانت ثقتنا في قواتنا المسلحة الرهان الحقيقي على الانتصار، يقينًا لم تزعزعه قسوة المشهد ولا طول الانتظار. في قلب ولاية الجزيرة، وفي ود مدني على وجه الخصوص، عاش آلاف العالقين واقع الحرب بكل ثقله، محاصرين بالخوف وشحّ الموارد، لكنهم لم يُحاصروا يومًا بفقدان الإيمان.
يناير 2025 لم يكن شهرًا عاديًا في الذاكرة، بل محطة انتظار كبرى، بعد أكثر من عام من الذلّ والفقد والجوع. هناك، بدأت الحكاية تتشكّل من دروسٍ قاسية وعِبرٍ عميقة، تركتها الحرب على تفاصيل الحياة اليومية، وعلى الطرقات التي حفظت خطى الصابرين، وعلى القلوب التي تعلّمت أن تتماسك كي لا تسقط.
مدنٌ وقرى، أنهكتها الحرب، فمالت جدرانها على الذاكرة وتعبت شوارعها من طول الصمت، غير أنّ الإنسان ظلّ ثابتًا، يواجه الانكسار بثبات نادر. طال الصمت، لكن المجتمع ابتكر لغته الخاصة، لغة التكافل والانتظار النبيل، حيث صار الأمل سلوكًا يوميًا لا شعارًا، وولد في أبسط الصور. يدٌ تمتد، كلمة صادقة، ومشاركة في اللقمة والقلق.
عاش العالقون أيامًا ثقيلة، يراقبون تحرّكات الجيش عبر الأسافير، تتأرجح مشاعرهم بين فرح التقدّم وقلق الإحصار، دون أن يتسرّب اليأس إلى قلوبهم. كان الإيمان بنصر الله حاضرًا، والثقة في القوات المسلحة ثابتة، باعتبارها خط الدفاع الأخير عن الكرامة والوجود.
وفي التاسع من يناير، تحوّل الانتظار إلى مشهد يشبه وقفة العيد. اتجه الناس إلى مراكز الاتصال لطمئنة الأهل، وتبادل الدعاء، واستحضار الأمل. بدت الفرحة ساكنة في العيون، والهمس يدور عن بشارات قادمة، وكأن المدينة بأكملها تتنفّس على وعد النصر.
جسّد هذا الواقع معنى أن المجتمع ليس جدرانًا متلاصقة، بل قلوبًا متساندة، وأن النجاة ليست فعلًا فرديًا، بل مسؤولية جماعية. تعلّم الناس أن الاختلاف لا يفسد الانتماء، وأن التماسك هو السلاح الأصدق في وجه المحن.
هكذا، صنع العالقون في الجزيرة وود مدني قصتهم بصبرهم، وراهنوا على ثقتهم في قواتهم المسلحة، مؤمنين بأن النصر يولد من رحم المعاناة، وأن الغد، مهما تأخّر، لا بد أن يأتي حين تتقدّم الإرادة ويتقدّم معها الوطن.


