إنكسار”السنبلكة” الأخيرة.. أمير النور وارتطامنا بقعر الهوة


حين يغيبُ الموتُ قامةً بقيمة الدكتور والموسيقار أمير النور، فنحن لا ننعى مجرد باحثٍ أكاديمي أو عازفٍ ماهر، بل نعلنُ عن سقوط “السنبلكة” الأخيرة التي كانت ترفعُ أوتار هويتنا الغنائية عن ملامسة القاع. رحل ابن الرصيرص البار، تاركاً خلفه “سكتةً موسيقية” موجعة، وانكشافاً مخيفاً لـ “ثلمة” سحيقة في جدار الوعي السوداني، لا رادَّ لها ولا عاصم من اتساعها.
لقد كان أمير النور يمثل “التكنيك العالي” في أبهى صوره؛ ذلك المزيج النادر بين صرامة المنهج العلمي وبين حنوّ الفنان على تراث بلاده. لم يكن يجمع الألحان ليودعها الأرفف، بل كان “يستنطقها” ليعيد رسم ملامح الشخصية السودانية. وبفقده الجلل، نكتشفُ اليوم أننا لم نفقد شخصاً، بل فقدنا “صمام أمان” كان يحمي ذاكرتنا الجمعية من الابتذال. رحل الرجل الذي كان يضبطُ إيقاع أصالتنا، وبانكساره ارتخت الأوتار، وغاصت في جسد الآلة الحزينة، وتحول النغمُ الجميل إلى نشيجٍ صامت.
إن الوجع الحقيقي الذي يعتصرنا نحن أبناء “الرصيرص”، ونحن نسترجع ذاك الحنين (Nostalgia) الممزوج بعبق النيل الأزرق، هو إحساسنا باليتم الثقافي. لقد انكشفت بوفاته “الهوة العميقة” (The Big Hole) التي كان يسترها بوقاره وعلمه. تلك الهوة التي تفصل بين تاريخٍ عظيم صنعته الأجيال، وبين مستقبلٍ بات يفتقر للبوصلة التي كان يحملها أمير. لقد سقط الجسر الذي يربط النخبة المفكرة بنبض الشارع العفوي، ووجدنا أنفسنا نحدق في فراغٍ معرفي مرعب، لا قرار له.
إن “الثلمة” التي أحدثها رحيل أمير النور في خاصرة الوطن، هي خرقٌ في ثوب السيادة الثقافية. فقد كان هو “الوتر الحارس” الذي يمنع النشاز من التسرب إلى وجداننا. والآن، ومع ارتطامنا بقعر هذه الهوة، ندرك حجم الخسارة؛ مَن سيرممُ بعدك تصدعات الهوية؟ ومَن سيجرؤ على شدِّ أوتار التراث فوق “سنبلكة” العلم والأدب الرصين؟
يا أمير.. يا وجع الكلمات التي تتقاصر عن وصف “الفقد الجلل”. نم مستريحاً في ملكوت ربك، فقد أديت الأمانة، وحبرت التاريخ بمداد الإبداع والتميز. ستبقى الرصيرص تبكيك بدمعٍ نِيليٍ أزرق، وسيبقى السودان يتلمس خطاك في عتمة هذه الهوة، باحثاً عن “نورٍ” ضاع، وأثرٍ لن يمحوه الزمان.
إنّا لله وإنا إليه راجعون، ولا نقول إلا ما يُرضي الله، وما تمليه علينا وطنيتنا المفجوعة.




