“الثقبُ الكبير”.. محاكمةُ الضمير في زمنِ الانكفاء!

حين يرقبُ المرءُ اليوم خارطةَ الوجدان العربي، يجدها تشبه جسماً سماوياً يترنّح على حافة الفناء؛ ثَمّةَ “ثقبٌ كبير” (Big Hole) يتّسعُ في خاصرةِ هذه الأمة، يمتصُّ أحلامَ شبابها، ويبتلعُ تاريخَ حواضرها، ويتركُ إنسانها نهباً لغربةٍ لا ترحم. وإذا كان النيلُ في مجراه يبكي مدنَ الضفاف، فإن الياسمين في دمشق، والنخيل في بغداد، يشاركانه ذاتَ النحيب في فضاءٍ عربيٍّ صار مفرغاً من أثره.
ولكن، “ريثما” نلملم شتاتَ انكساراتنا العربية، نصطدمُ بالحقيقةِ الأكثر مرارة؛ ذلك “الضميرُ العالميُّ الحائر” الذي يكتفي بدور “المتفرّج” على حافة الثقب. عالمٌ يمتلكُ “التكنكل العالي” في رصدِ المآسي، لكنه يعاني من عجزٍ أخلاقيٍّ فاضح في وقفِ النزيف. إن الثقبَ الكبير اليوم ليس قدراً جيوسياسياً، بل هو صمتُ “المجتمع الدولي” الذي استمرأ المشاهدة، حتى تحوّلت معاناةُ الإنسان العربي إلى مجرّد “مادةٍ خبرية” تستهلكها منصّات التواصل قبل أن يطويها النسيان.
إن هذا الثقبَ، يا سادة، ابتلع “المعاييرَ والقيم” قبل أن يبتلع الجغرافيا. فكيف ينامُ الضميرُ العالميُّ ملءَ جفونه، وثَمّةَ أمةٌ كاملة تُطحنُ في فكِّ هذا الفراغ؟ وكيف يغيبُ الوجدانُ العربيُّ الجمعي عن إنقاذِ ذاته من الانصهار في ثقبِ التبعيةِ والشتات؟ إننا نعيشُ لحظةً تاريخيةً فارقة؛ إمّا أن نردمَ فيها الفجوةَ بوعيٍّ عروبيٍّ إنسانيٍّ متجاوز، أو نتركَ الثقبَ يُكملُ دورته ليحوّلنا جميعاً إلى هباءٍ في فضاءِ العدم.
إنني في “ريثما” لا أخاطبُ السودانيين فحسب، بل أخاطبُ كلَّ حرٍّ لا يزالُ يملكُ قلباً بين جوانحه؛ إن الصمتَ على اتّساع الثقب الكبير هو “شراكةٌ في الجريمة”. فالإنسانُ في المنافي، والنازحُ تحت الخيام، والمثقّفُ المحاصرُ باليأس، كلّهم ضحايا لهذا الانهيارِ الأخلاقي العالمي الذي جعل من “المأساة” طقساً يومياً عادياً.
سؤالي لكلِّ ضميرٍ لا يزالُ ينبضُ خلف حدود الصمت: إلى متى سنظلُّ نرقبُ الثقبَ وهو يلتهمُ هويّتنا وقيمنا وإنساننا؟ وهل سيكتفي “العالمُ المتفرّج” بكتابةِ النعي، أم سيدركُ أن الثقبَ الذي يبدأُ عندنا سينتهي حتماً عند أبوابه؟
“ريثما” تنكشفُ الغمّة، سيبقى قلمي مشرعاً ضدَّ هذا الفراغ.. فالحرفُ الصادقُ هو المسمارُ الأول في نعشِ الصمت.



