
من تحت الركام إلى خطوط الإنتاج.. كيف يعيد الرجل الحياة لشرايين النقل؟
في وقت تعرض فيه قطاع النقل في السودان لواحدة من أقسى الضربات في تاريخه، برز اسم المهندس المستشار موسى القوم، مدير عام هيئة سكك حديد السودان، كأحد الوجوه التي تقود معركة إعادة الإعمار بصمت وإصرار، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا: إعادة القطار إلى مساره الطبيعي، كأحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني.
منذ اندلاع الحرب، لم تكن المهمة سهلة. بنية تحتية مدمرة، خطوط متوقفة، ومحطات تعرضت للنهب والتخريب، لكن القوم اختار أن يبدأ من الممكن، معتمدًا على ما تبقى من قدرات وإمكانات لإعادة تشغيل ما يمكن تشغيله، في خطوة وصفها مراقبون بأنها “إدارة أزمة بعقلية بناء”.
قيادة وسط التحديات
يتحرك القوم وفق رؤية تدريجية تقوم على استعادة الخطوط الحيوية أولًا، وعلى رأسها خط عطبرة – بورتسودان، الذي يمثل شريانًا اقتصاديًا مهمًا للبلاد. ونجح بالفعل في إعادة تشغيله، ليعود لنقل السلع الاستراتيجية مثل القمح والسكر، في خطوة ساهمت في تخفيف الضغط على قطاعات النقل الأخرى ودعم استقرار الإمدادات.
هذا التوجه يعكس، بحسب متابعين، عقلية عملية توازن بين الطموح والواقع، حيث يركز على تحقيق نتائج ملموسة رغم محدودية الموارد وتعقيدات المشهد.
قطارات تعيد الحياة
لكن ما ميّز تجربة القوم لم يكن الجانب الاقتصادي فقط، بل البعد الإنساني أيضًا. فقد كان لإعادة تشغيل قطارات نقل النازحين إلى الخرطوم بحري دلالة خاصة، حيث تحولت السكك الحديدية من مجرد وسيلة نقل إلى أداة لإعادة الاستقرار الاجتماعي ولمّ شمل الأسر.
هذه الخطوة، في نظر كثيرين، أعادت الثقة في دور الهيئة، وأكدت أن السكة الحديد يمكن أن تكون جزءًا من الحل في أوقات الأزمات، وليس مجرد مرفق خدمي تقليدي.
إعادة بناء ما تهدم
يدرك القوم أن التحدي الأكبر لا يكمن في التشغيل المؤقت، بل في إعادة بناء ما دمرته الحرب. لذلك يعمل على خطط لإعادة تأهيل الخطوط المتضررة، بما في ذلك خط الخرطوم – مدني، مع السعي لتوفير قطع الغيار وإصلاح القاطرات المتوقفة.
كما يواجه تحديًا آخر يتمثل في تحديث الأسطول، حيث تحتاج عدد من القاطرات إلى صيانة مكلفة، في ظل شح التمويل وارتفاع تكاليف التشغيل. ومع ذلك، يواصل الدفع نحو إيجاد حلول، سواء عبر الشراكات أو الدعم الخارجي.
رؤية تتجاوز الحدود
ولم تتوقف طموحات القوم عند الداخل، إذ يولي اهتمامًا بمشروعات الربط السككي مع دول الجوار، مثل مصر وإثيوبيا وتشاد، إدراكًا منه لأهمية تحويل السودان إلى محور إقليمي للنقل والتجارة، وهو ما قد يفتح آفاقًا اقتصادية واسعة في المستقبل.
بين الواقع والطموح
رغم التحديات، استطاع موسى القوم أن يضع هيئة سكك حديد السودان مجددًا على خريطة الفعل، مستفيدًا من خبرته الفنية ورؤيته الإدارية في إدارة مرحلة معقدة.
وبين خطوط متضررة وأخرى تعود للحياة، يمضي الرجل في مهمته، مدفوعًا بقناعة أن عودة القطار ليست مجرد مشروع خدمي، بل خطوة أساسية في طريق تعافي الدولة نفسها.




