حاج سيداحمد.. هل يستطيع الضباط الإداريون وحدهم قيادة الدولة لعودة الخدمة المدنية.؟!!

لم يكن حاج سيداحمد بعيدًا عن مجريات الأحداث السياسية والخدمية، فقد عاش جلّ عمره موظفًا في سلك الخدمة المدنية، قريبًا من كبار الضباط الإداريين الذين يعرفون دروب ومسالك التنظيم الإداري للخدمة المدنية.
وإن كان بعد الحرب، الكلمة الأكثر تداولًا في مكاتب الدولة هي “عودة الخدمة المدنية” لبعض الوزارات والمؤسسات الحكومية المنهارة، ليقف المواطن تائهًا بين وعود السياسيين وغياب الموظف.
هنا يبرز سؤال كبير: من الذي يقدر على حمل هذه المسؤولية ويعيد دولاب الدولة للدوران من جديد؟
يقول حاج سيداحمد، وهو يجرجر بعصاه على الأرض وحاج حمد يتابع حركته التي تحمل الألم والحسرة: “مافي حل ولا طريق من غير الضابط الإداري، الجندي المجهول للدولة”.
حاج حمد:
قلت شنو؟ كدي سمعنا وأدينا من أفكارك المجنونة دي.
حاج سيداحمد:
قلت ليكم ما عندكم حل عشان ترجّعوا دوران عجلة الخدمة المدنية من غير الضباط الإداريين، ودا إذا كنتم عايزين البلد تمشي عديل. لأن الضابط الإداري ما زول قاعد في مكتب وماسك ختم. هو العقل المدبر للمحلية، وهو الذي يعرف تضاريس الحكم من السوق حتى آخر قرية. في زمن السلم كان هو الذي يدير الأزمات: مياه، كهرباء، صحة، تعليم، نزاعات أراضي. وفي زمن الحرب أصبح هو الحافظ لأختام الدولة وملفاتها، وسند الولاة في تسيير ما يمكن تسييره.
ومعروف، والتاريخ يشهد، أن الدولة السودانية قامت تاريخيًا على أكتاف “الإداريين”. قبل الأحزاب وقبل العسكر، كان مفتش المركز وحاكم المديرية هما الدولة في نظر المواطن البسيط.
حاج حمد:
طيب المشكلة وين؟
حاج سيداحمد:
يتنهد رافعًا رأسه وهو ينظر بعيدًا.. المشكلة في التهميش الممنهج وتفكيك الخدمة المدنية لصالح التمكين. الضابط الإداري الكفء أصبح غريبًا في دولته، وحلّ محلّه الولاء قبل الكفاءة. النتيجة: مؤسسات ورقية بلا روح.
ودا أدى إلى غياب الصلاحيات: الضابط الإداري اليوم مقيّد؛ لا ميزانية، لا سلطة حقيقية، ولا حماية قانونية. فكيف يدير دولة وهو غير قادر على إدارة مكتب واحد؟
والحرب خلقت “عقلية الطوارئ”: شغل يوم بيوم. لكن الخدمة المدنية تحتاج إلى تخطيط، ولوائح، واستمرارية. لا تعمل بالتعليمات الشفهية، ودي هي المصيبة يا حاج حمد.
حاج حمد:
كلامك ما فيه كلام، لكن هل هم قادرون على قيادة هذا البلد الذي فيه مئة حزب ومعارضة؟
حاج سيداحمد:
بصوت عالٍ:
نعم، قادرون.. بشرطين. أنتم بس فكّوا لهم اللجام.
حاج حمد:
كدي ورّينا الشروط شنو عشان نرتب حالنا.
حاج سيداحمد:
الشرط الأول:
ارفعوا يدكم عنهم.
أعيدوا للضابط الإداري هيبته وصلاحياته. هو لا يحتاج إلى توجيه سياسي كل يومين. يحتاج إلى قانون خدمة مدنية واضح، وميزانية، ومحاسبة عادلة. اتركوه يمارس عمله: يطبق القانون على الغني والفقير، وينظم دولاب الخدمة بعيدًا عن مزاج الوزير أو الوالي.
الشرط الثاني:
نظّفوا البيت من الداخل
عودة الخدمة المدنية لا تعني إعادة نفس الوجوه التي كانت سببًا في الانهيار. نحتاج إلى مراجعة شاملة، وتدريب، وضخ دماء جديدة. الضباط الإداريون الشرفاء موجودون وينتظرون الفرصة، فقط وفّروا لهم بيئة نظيفة.
هذا البلد لن يعود إلا بـ “دولة المؤسسات”، ودولة المؤسسات لا تقوم إلا على كتف “الموظف العام” المحترف. الضابط الإداري هو خط الدفاع الأول ضد الفوضى.
لو كانت الدولة جادة في العودة، فإن أول قرار يجب أن يكون: فكّوا أسر الضباط الإداريين من الولاء السياسي، وسلّموهم الدولة ليديروها بالقانون.
غير ذلك سنظل ندور في نفس الحلقة: حكومات تأتي وحكومات تذهب، والمواطن دافع الضرائب واقف ينتظر الخدمات، سواء كانت مياهًا أو كهرباء أو مستشفيات ومراكز صحية ومدارس.
من الآخر يا حاج حمد،
ما دايرين خطب، دايرين دولة. والدولة تعني ضابطًا إداريًا يرتدي “كاكي الخدمة المدنية”، ويجلس في مكتبه من الساعة السابعة صباحًا حتى المساء.
وفي دول كثيرة دخلت في حروب، وبعد الحرب اعتمدت على الضباط الإداريين، واليوم الخدمة المدنية فيها تسير كما الخيط. وأضرب لك مثالًا واحدًا: دولة رواندا.
بعد الحرب والإبادة الجماعية عام 1994، اعتمدت على “كوادر الإدارة المحلية” القديمة بالإضافة إلى دماء جديدة مدرّبة. أعادت الضباط الإداريين وأنزلتهم إلى المحليات بصلاحيات كاملة.
وكانت النتيجة أن رواندا اليوم هي أنظف دولة أفريقية في الخدمة المدنية. أي معاملة تُنجز في يومها، والفساد شبه معدوم. الضابط الإداري هناك اسمه “المدير التنفيذي”، وهو الحاكم الفعلي.
الخلاصة يا حاج حمد:
كل هذه الدول لم تأتِ بملائكة من السماء. جاءت بـ “الضابط الإداري المُحنّك” والقانون، وقالت لهم: تفضلوا، هذه هي الميزانية. مش إدارات الحكم المحلي في الولايات تشحذ مال التسيير الشهري شحذًا من الولاة.. أنتم عايزين ترجعوا الخدمة المدنية كيف؟
يا أخي، لا يوجد طريق ولا حل من غير الضباط الإداريين، سواء رضيتم أم غضبتم، وهذا كلامي واضح ليكم ومافي داعي للف والدوران البلد ما تتقدم خطوة مالم تعيدوا للضباط الإداريين الهيبة والقانون.. وكفاية لغاية هنا..
(خمة نفس)
اكسروا حاجز الخوف وعودوا لوطنكم.. الوطن يبني بسواعد أبنائه لا بالمساعدات والاغاثات الخارجية.
(خمة نفس)
شعب واحد.. جيش واحد… الشعب المسلح لا يهزم.



