الإعلام التنموي.. التجربة السودانية.. حضور متواضع وطموح كبير

يأتي اليوم العالمي للإعلام التنموي الذي يوافق يوم غد الرابع والعشرين من أكتوبر كل عام، ليذكّرنا بأن الإعلام ليس مجرد أداة لبث الأخبار أو صناعة الترفيه، بل هو وسيلة لبناء الإنسان وتحفيز التنمية، وتسليط الضوء على الجهود التي تغيّر حياة الناس للأفضل.
فمنذ أن أقرّت الأمم المتحدة هذا اليوم عام 1972، كان الهدف هو ربط الإعلام بالتنمية المستدامة، وتعزيز دوره في مكافحة الفقر والجهل والتمييز، ونشر ثقافة المشاركة المجتمعية في خطط البناء.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين يقف الإعلام السوداني من هذا المفهوم؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تحمل في طيّاتها مزيجًا من الأمل والتحدي.
الإعلام التنموي ليس شعارات ولا نشرات دعائية، بل هو فعل توعوي وتنويري يستهدف تحريك المجتمع نحو التغيير الإيجابي، فهو إعلام يُعنى بتثقيف الناس حول قضايا التعليم، والصحة، والبيئة، والزراعة، وتمكين المرأة والشباب.
إعلام يفسّر الظواهر ويقترح الحلول، لا يكتفي بسرد الأزمات.
في هذا السياق، لا بد أن ندرك أن أثر الكلمة لا يقل عن أثر الفعل، فالكلمة الواعية يمكن أن تفتح طريقًا نحو التنمية، كما يمكن أن تُعيقها إن غابت عنها الرؤية والصدق والمسؤولية.
في السودان، يمكن القول إن مفهوم الإعلام التنموي بدأ يجد طريقه تدريجيا خاصة في أعقاب الأزمات والكوارث التي كشفت أهمية الإعلام المسؤول في التوعية والإرشاد وبناء الثقة بين المواطن والدولة.
من أمثلة ذلك الحملات الإعلامية حول الصحة العامة ومكافحة الأوبئة، والتغطيات الخاصة بجهود إعادة الإعمار في المناطق المتضررة، إضافة إلى برامج إذاعية وشبابية ركّزت على التنمية الريفية والعمل الطوعي.
لكن رغم هذه الجهود، يبقى الإعلام التنموي السوداني محصوراً في المبادرات الفردية، ويفتقر إلى رؤية مؤسسية طويلة المدى.
فما زال التمويل ضعيفاً والتدريب المهني محدوداً، والاهتمام الرسمي بهذا النوع من الإعلام متواضعًا مقارنة بالإعلام السياسي أو التجاري الذي يستهلك المساحة الأكبر من البث والاهتمام.
حتى يؤدي الإعلام السوداني دوره في التنمية، يجب أن يتحوّل من إعلام ناقل إلى إعلام فاعل.
ويبدأ ذلك بوضع استراتيجية وطنية للإعلام التنموي ترتبط بخطط التنمية القومية، وتشجّع الشراكات بين المؤسسات الإعلامية والمنظمات العاملة في مجالات التعليم والصحة والزراعة والبيئة.
كما أن تدريب الكوادر الإعلامية على الكتابة التنموية والتغطية الميدانية للقصص الإيجابية سيخلق تحوّلًا نوعيًا في المحتوى.
فالإعلامي التنموي لا يبحث عن الإثارة، بل عن التأثير.
ولا يطارد الأزمات، بل يرصد الحلول.
في هذا اليوم العالمي، يحتاج السودان إلى إعلامٍ يُشبه طموحه في النهوض، إعلامٍ يضع الإنسان في قلب الحدث لا على هامشه.
فالتنمية لا تبدأ من المشاريع وحدها، بل من وعي الناس بها وإيمانهم بأهميتها.
والإعلام هو الجسر الذي يربط الفكرة بالفعل، والأمل بالإنجاز.
إن الإعلام الذي يكتفي بنقل ما يحدث، يظل مجرد صوتٍ في الفراغ.
أما الإعلام الذي يصنع ما يحدث، فهو الذي يبني الأوطان.




