الحلو مُر… الإبري… صناعة سودانية (100٪)

الحلو مُر، أو كما يسميه السودانيون «الإبري»، ليس مجرد مشروب رمضاني، بل حكاية وطن، وذاكرة طقوس وعادات يصعب أن تجد لها مثيلاً خارج السودان.
هو مشروب تحيط به القصص، وتنسج حوله التفاصيل، حتى يكاد يكون طقسا اجتماعيا لا يكتمل رمضان بدونه.
ما إن يهلّ شهر رجب ويرسم القمر صورته في السماء، حتى تبدأ المنازل السودانية في حركة دؤوبة استعدادًا لصيام شهر رمضان، تقربًا لله عز وجل، وفي مقدمة هذا الاستعداد صناعة الحلو مُر، ذلك الإرث المتوارث منذ عصور بعيدة.
لم تكن صناعة الحلو مُر غريبة على أهل السودان، فقد توارثتها الأجيال جيلًا بعد جيل، وتشير الروايات إلى أن جذورها تعود إلى قبائل النوبة والدناقلة والشايقية، وهم من أقدم الحضارات التي عرفت الاستقرار في السودان، وما زالت هذه العادة حاضرة حتى يومنا هذا.
للحلو مُر رائحة زكية تسبق حضوره، تكفي وحدها لتعلن: اليوم في عواسة.
وتلك إشارة معروفة بتجمع النساء حول الصاج، ذلك الحديد المسطح بسمك يقارب (1.5) سم، يوضع على أربع حجارة تُعرف محليًا بـ(اللدايات)، وتُحشى أسفلها أعواد الحطب الناشف (الوقود)، لتشتعل النار وتبدأ الطقوس.
تجلس إحدى النسوة على مقعد يُسمى باللهجة العامية (البنبر)، استعدادًا لصب العجين على الصاج، وتحريكه بقطعة خشب ملساء يمينًا وشمالًا حتى تنتشر العجينة، ثم تُجمع وتُطبق بشكل مربع، وتُترك حتى تجف بعد النضج، بينما تفوح في المكان رائحة لا تخطئها الذاكرة.
وتُعد عواسة الإبري صورة صادقة للتكافل الاجتماعي، حيث تتجمع النسوة وتهتم كل واحدة بضيوفها المشاركات، فلا تحضر إحداهن إلا وهي تحمل صحن فطور أو قليلًا من السكر والبن.
إنه يوم اجتماعي خالص، للنساء وحدهن، بلا تدخل من الرجال.
وتبدأ رحلة الحلو مُر من حبوب الذرة الفيترتية، التي تُنشر على جوالات الخيش، ويُصب عليها الماء لعدة أيام حتى تنبت، ثم تُجفف تحت أشعة الشمس، ويُضاف إليها مقدار مساوٍ وزنًا وكمية، لتُطحن كل واحدة على حدة.
بعدها تأتي مرحلة الخلط، أو ما يُعرف بـ(الكوجان)، أي النضج على النار، ثم يُخلط العجين بمكونات البهارات: الكمون، الحلبة، الكركدي، العرديب، القرف، الزنجبيل، والقورلنجان.
ويُعد الحلو مُر مشروبًا رمضانيًا تقليديًا سودانيًا خالصًا، بلا منافس عالمي، صناعة سودانية (100٪)، يُقدم عادة مع العصيدة السودانية والقراصة والمشروبات البلدية.
وما زال الحلو مُر يحتفظ بمكانته في كل بيت سوداني خلال شهر رمضان، لا يفرّق بين غني أو فقير، فهو حاضر في البيوت كما هو حاضر في الذاكرة.
(خِمّة نفس)
التحية لنساء بلادي، اللاتي يحترقن صبرًا وجهدًا من أجل تقديم مشروب الحلو مُر (الإبري) بروح طيبة في شهر الصيام… جعل الله ذلك في ميزان حسناتكن.
(خِمّة نفس)
ولاية الجزيرة (وسط السودان) تضع اللمسات الأخيرة لسفلتة الطرق بحاضرة الولاية ود مدني… امسكوا الخشب، الجاي كتير.


