تبدلت ملامح مدني

alsmanihajj88@gmail.com
أحببت مدينة مدني كثيرًا وما زلت أحبها لم أشعر يومًا أني لست من أهلها بل الجميع هنا أهل لا تشعر بالغربة وانت وسطهم وبين بحر أبيض والجزيرة تشابه كبير بين المجتمعات وهم أهل الوسط لذلك لم نُعاني . في مدني المجتمع سهل جدا وجميل سرعان ما تندمج فيه دون أدنى جهد . فقد ذهبت إليها للعمل الحر قبل حوالي عشر سنوات و بعدها التحقت بوظيفة هيئة تدريس بالجامعة رغم التعارض لكني أجتهد الان ما استطيع في التوفيق بينهما للضرورة . كنت أعزب آنذاك الزمان الجميل وقتها أستمتع بوقتي في الهواء الطلق بالمدينة الجميلة التي عشقتها ” يحدث ذلك بعد يوم عمل طويل وشاق لكننا نستمتع باليالي الثقافية خاصة في عطلات نهاية الأسبوع (weekend).
مدني في الماضي كانت بخير كل شخص فيها تشعر أنه أخوك و اهلك يستحيل أن تخرج من المنزل ولا تجد في المواصلات من يعرفك، لتتسابق معه لدفع أجرة المواصلات. الآن اصبحنا نخاف من الخروج من منازلنا بسبب سيطرة النشالين ولم نشعر بالأمان ” نشعر بالهلع بسبب النهب المسلح الذي انتشر في المدينة منذ أن وصلنا إليها بعد تحريرها. لم نعد نرى نفس الوجوه التي اعتدنا عليها في مدينتنا . تغيرت الوجوه، وتعسكر الجميع، وتم توزيع الرتب العسكرية على أشخاص دون أن يلتحقوا بمؤسسة عسكرية.
تبدل مجتمع المدينة قبل وبعد الحرب و ظهرت في المدينة وجوه جديدة لم نعتد عليها، لكن كان علينا التعايش معها .
لقد تغيرت الأحوال كليًا، وأصبح مجتمع المدينة مختلفًا عما نعرفه الأسواق متسخة ” الميادين مليئة بالمياه الراكدة. القمامة تملأ الأسواق المصارف متوقفة عن العمل. يجب على المسؤولين الذهاب إلى سوق المدينة ليروا بأنفسهم ما يحدث. لقد سبق أصبحنا نعيش في زمن مختلف عما كنا نعرف.
هناك عدم استقرار في التيار الكهربائي في الأسواق العامة فتجد المستشفى سيئ للغاية، وجهات الاختصاص غائبة. المرافق الخدمية في غياب تام مثل التأمين الصحي، غائبة تمامًا في المراكز العامة. أظن أنهم يستعيدون عافيتهم بعد طول غياب.
بطاقة التأمين الصحي كانت محمولة معنا دائمًا لكنني لا أعرف أين هي الآن. كل شيء أصبح تجاريًا إلا الهواء الطلق، الذي يوزعه الله بعدالة على جميع الناس. كل شيء بأمر الله، لكن البشر قد فسدوا.
أعظم ما نفتقده الآن هو قِلة الأمان في الأحياء السكنية التي يسكنها المواطنين. هذه الأحياء أصبحت غير آمنة، فنخاف على أطفالنا عندما يذهبون لشراء الحلوى أو مستلزمات المنزل. أتذكر أيامًا كنا نسهر فيها مع عائلاتنا في الليالي الثقافية بالمدينة والمنتجعات السياحية المطلة على النيل، دون أن نحدد وقتًا أو مكانًا. كان ليلنا نهارًا ونهارنا ليلاً. كل شيء تغير بعد هذه الحرب اللعينة التي جعلت من أجمل المدن مدينة بلا جمال. فقط يجب علينا أن نعمل معًا ونتعاون مع صناع القرار في المدينة لكي نعيد للمدينة جمالها وحيويتها .
كنت أذهب مع أصدقائي، وبالأخص الأكاديميين، إلى الليالي الثقافية والفنية، وإلى مسرح الجزيرة، وليالي مهرجان السياحة والتسوق في عهد الدكتور محمد طاهر ايلا ، الرجل الذي ترك بصمة في مجتمع المدينة.
كنا نذهب إلى قهوة (كسلا) التي تضم معظم المثقفين في الولاية، ثم ننتقل بعدها إلى قهوة الصائم، وهي من روافد قهوة كسلا، حيث تجد فيها مجموعة من المثقفين من مجتمع الفن والرياضة والترفيه، بالإضافة إلى قيادات الرأي العام في المدينة. تجدهم جميعًا هناك.
*شذرة أخيرة*
رغم الصعوبات التي يواجهها سكان المدينة، إلا أننا نأمل جميعًا أن تعود مدينتنا أقوى وأجمل بأيدي أبنائها المخلصين الذين لا يبخلون عليها أبدًا. هذه دعوة مني إلى جميع الشباب، ومنظمات المجتمع المدني، والخيرين، للانطلاق في حملة لإعادة إعمار مدينة مدني. فكل واحد منا، من خلال تخصصه، يقدم ما يستطيع من أجل عودة مدني إلى ما كانت عليه في الماضي




