
عندما كنت طفلة، إذا شكوت لأبي أن أحدًا أساء إلينا أو آذانا، كان يجيب فورًا:
“أكيد أنتوا عملتوا حاجة خلت الطرف التاني يأذيكم.”
مع الوقت، توقفت عن الشكوى. وبدلًا من ذلك، كنت أول ما أتعرض للإساءة أسأل نفسي: “أنا غلطت في شنو؟”
هذا التفكير غرس في داخلي عادة جلد الذات، لكنه في الوقت نفسه جعلني أراقب أفعالي ومشاعري وردات فعلي بحرص شديد، وأحرص أن لا أؤذي أحدًا.
لكن هذا الحرص لم يمنع الألم ولا الخذلان. كنت أتعجب: “أنا ما بأذي زول، طيب ليه في ناس بتأذيني؟”
بدأت أفتش عن دوافعهم: هل يقصدون الشر لشخصي؟ أم يتصرفون هكذا لأن هذا بالنسبة لهم “العادي”، تصرف خالٍ من النية بالخير أو الشر، ناتج عن بيئة وتربية وبرمجة فكرية وثقافية؟
أدركت لاحقًا أن كثيرين يتصرفون كما لو كانوا آلات مبرمجة، تحركها عادات وأفكار مكتسبة بلا وعي. وهذا جعلني أتعاطف معهم، وأحيانًا أحبهم وأعاملهم بأفضل مما يستحقون، حتى وإن أساؤوا إلي.
لكن بعضهم استغل ذلك التعاطف، واعتبرني “ساذجة”. والألم كان مضاعفًا عندما جاء الأذى من أقرب الناس إلي. ومع الوقت، بدأت أفهم أن الإنسان بطبعه يحب نفسه، وكلما قل وعيه وتراجعت قدرته على التفكير والتأمل، ارتفع عنده “حب الأنا”
وسيطرت عليه مصلحته الشخصية، حتى لو كانت على حساب الجماعة… مثل الخلية السرطانية التي تتغذى على الجسد نفسه.
وهنا بدأت مواجهة أصعب الأسئلة مع نفسي:
هل خوفي من الفقدان يجعلني أتحمل الأذى؟
هل أخشى حكم الآخرين علي؟
هل أخاف أن أرى نفسي أنانية إذا وضعت حدوداً؟
كيف أوازن بين محبتي للآخر وحبي لنفسي؟
والإجابة التي جاءت بعد رحلة طويلة من الألم والتأمل كانت أنني إن تركت الأضداد تتحكم فيّ — السالب والموجب، الحب والكره، الربح والخسارة — فسأظل أسيرة لمشاعر متقلبة و”إيجو” مرتفع.ل
ااتحرر كان في أن أتوقف عن البحث عن أسباب الحب والسعادة خارج نفسي، وأدرك أنني أنا الحب وأنا السعادة، وأن يكون دافعي في التعامل مع الآخرين هو الحب في ذاته، لا ميل كفة على أخرى.



