
في الماضي، كان الإعلام التقليدي ممثلاَ في التلفزيون والراديو والصحافة، هو الموجّه الرئيس للرأي العام، وصانع الأجندة الإعلامية التي تحدد القضايا المطروحة للنقاش العام. وكانت المؤسسات الإعلامية تختار إعلامييها وصحفييها وفق معايير محددة، تراها مناسبة لتنفيذ سياستها التحريرية والإعلامية، بما يضمن انسجام الرسالة الإعلامية مع توجهاتها وأهدافها.
ورغم أن كثيرين يعتقدون أن البرامج التلفزيونية أو المقالات الصحفية ما هي إلا وجهات نظر شخصية يعبّر عنها أصحابها عبر النشر أو البث، فإن الواقع يثبت أن هذه المواد الإعلامية تمثل في الغالب وصايا إعلامية يفرضها الكاتب أو المنتج أو المخرج، ولا تتيح للمشاهد أو القارئ مساحة حقيقية للتعبير عن رأيه أو طرح وجهة نظره.
فعلى سبيل المثال، في الإذاعة والتلفزيون، يكون اختيار الضيف من مهام المنتج بالتنسيق مع إدارة البرمجة، والقرار الأخير يتسق مع سياسات المؤسسة الإعلامية، وفي الصحافة يتم اختيار شخصية ما لإجراء مقابلة صحفية من قبل الصحفي نفسه، أو بتكليف من إدارة الصحيفة، ويشمل ذلك صياغة الأسئلة وإعادة ترتيبها بما يتفق مع رؤية القائم بالاتصال إلى جانب أسلوب الكتابة، وانتقاء العناوين، وطريقة عرض المحتوى. وفي البرامج التلفزيونية، يختار فريق الإنتاج المواد المساعدة مثل المقاطع الدرامية، أو النصوص الشعرية، أو الأغنيات، مما يجعل المشاهد مجرد متلقٍ سلبي يتلقى الرسالة الإعلامية دون مشاركة في صياغتها.
غير أن ظهور منصات وشبكات التواصل الاجتماعي قلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ منحت الجمهور حرية التعبير المباشر عن آرائه، وتقديم وجهات نظره ومحتواه الخاص بعيدًا عن وصاية المنتجين والمخرجين والمؤسسات الإعلامية التقليدية. وتحوّل المشاهد من متلقٍ سلبي إلى فاعل مشارك في إنتاج الرسائل الإعلامية وتوجيهها، مما أحدث تغييراً جذرياً في علاقة الإعلام بجمهوره في العصر الرقمي.
ويُلاحظ أنه عندما يشعر المتلقون بالحيرة أو الشك تجاه موثوقية الأحداث الساخنة ومصداقيتها، يلجأون غالباً إلى القنوات الفضائية الرسمية أو الخاصة التي يرونها أكثر مصداقية وموثوقية مقارنة بمواقع التواصل الاجتماعي، رغم اتساع مساحة التعبير والحرية التي توفرها الأخيرة.
يظهر ذلك جلياً في الحرب الدائرة الآن في الخرطوم حيث تقوم المليشيا بإغراق المنصات الرقمية بعدد من الفيديوهات التي تبين سيطرتها.. ويتم أحيانًاً ممارسة أشكال مختلفة من التضليل الإعلامي.
ما زالت المؤسسات الإعلامية التقليدية تحظى في نظر جزء من الجمهور، بقدر كبير من المصداقية رغم التحولات الكبيرة في مشهد الإعلام الرقمي.




