
في كل مرة يظن فيها الناس أن العالم ما زال يحتفظ ببعض ملامح البراءة، تظهر قضية تعيد ترتيب الحقيقة بصورة أكثر قسوة، وتكشف أن ما يُدار في الغرف المغلقة يفوق كثيراً ما يعلن في المنابر والشعارات. ولعل قضية جزيرة جيفري إبستين تمثل نموذجًا صارخًا لعالم تتحكم فيه القوة والمال والنفوذ، أكثر مما تتحكم فيه القيم أو القوانين.
جزيرة صغيرة في جزر العذراء الأمريكية لم تكن مجرد منتجع فاخر لرجل أعمال ثري، بل تحولت – وفق التحقيقات والشهادات – إلى رمز لعالم مظلم، تُستغل فيه السلطة لحماية الجريمة، ويُستخدم فيه المال كوسيلة لشراء الصمت وإخفاء الحقائق. لم تكن الفضيحة في شخص إبستين وحده، بل في الشبكات التي أحاطت به، وفي الأسماء اللامعة التي ارتبطت به، وفي الأسئلة التي ما زالت تبحث عن إجابة حتى اليوم.
اللافت في هذه القضية أنها كشفت هشاشة الخطاب العالمي حول حقوق الإنسان والعدالة. فالدول التي ترفع شعارات حماية الإنسان والمرأة والطفل، وجدت نفسها أمام فضيحة أخلاقية مدوية ارتبطت بنخب سياسية واقتصادية وإعلامية. هنا تتجلى المفارقة الصادمة؛ فالعالم الذي يطالب الآخرين بالإصلاح، يعجز أحياناً عن تنظيف بيته من الداخل.
القضية لم تكن أخلاقية فقط، بل كانت مالية أيضاً. فقد أظهرت التحقيقات أن المال لعب دوراً محورياً في استمرار الشبكة لسنوات طويلة، عبر علاقات اقتصادية وتحويلات مالية معقدة، ما يؤكد أن الاقتصاد العالمي ليس دائماً منفصلاً عن دوائر النفوذ السياسي والاجتماعي، بل قد يكون جزءً من منظومة تحمي مصالح معينة ولو على حساب القيم الإنسانية.
الأخطر من ذلك أن موت إبستين داخل السجن لم يُنهِ القصة، بل فتح أبواباً جديدة من الشكوك. فاختفاء الشاهد الأهم في واحدة من أكبر القضايا الجنائية في العصر الحديث ترك فراغاً كبيراً ، وأثار تساؤلات حول قدرة العدالة على الوصول إلى كل المتورطين، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات نافذة تمتلك المال والعلاقات.
جزيرة إبستين ليست مجرد حادثة جنائية معزولة، بل مرآة تعكس طبيعة العالم الحديث، حيث تتشابك المصالح وتختلط القيم بالمصالح الاقتصادية والسياسية. وهي تذكير دائم بأن الشعارات اللامعة قد تخفي وراءها واقعاً كثر تعقيداً، وأن العدالة الحقيقية لا تُقاس بما يُقال في المنابر، بل بما يُطبق على أرض الواقع، ما يزيد الأمر تعقيداً هو الحديث عن علاقة اسرائيل والصهوينية العالمية بالجزيرة القضية برمتها بعد ثبوت تلقي ابستين لتدريب في الموساد وثبوت تمويل يهودي للمشروع.
ربما تكشف هذه القضية درساً مهماً للشعوب والدول على حد سواء، وهو أن العالم لا يُدار دائمًا وفق المبادئ التي يروج لها، وأن الوعي والرقابة المجتمعية يظلان السلاح الأهم لمواجهة الانحرافات مهما بلغت قوة أصحابها. فجزيرة إبستين، في النهاية، ليست مجرد جزيرة… بل قصة تختصر كثيراً من ملامح هذا العالم.



