رمضان بدون الأحباب

إن العلاقات الاجتماعية السودانية ما بين الأهل والأصدقاء والزملاء تختلف عن غيرها في دول العالم أجمع للأسباب كثيرة، أهمها أنّها انبثقت من الشريعة الإسلامية السمحة التي اهتمت بالجانب التربوي والاجتماعي، لا سيما صلة الأرحام.
تبرز تلك العلاقات بصورة عميقة في المناسبات الدينية كما في شهر رمضان المبارك والأعياد… إلا أنّ هذه العلاقات سادها بعض الضمور بعد الحرب اللعينة، سنفرد مقالاً.
رمضان 1444 هجرية كان مليئاً بالتواصل الحميم والبرامج الاجتماعية، حيث الإفطارات الجماعية بين الأهل والزملاء.
في العشر الأواخر منه كانت الطامة وبداية تدمير السودان.
تفاجأ أهل السودان في صحب 25 رمضان 1444 هجرية الموافق 15 أبريل 2023م بقدر وخيانة من مليشيا الدعم السريع واندلاع حرب ضد الشعب الأعزل.
مرت الأيام إلى أن جاء عيد الفداء المبارك، توسعت دائرة الحرب اللعينة، كثرت الإعتداءات، تفاقمت الأوضاع، حيث ظهر المندسون المتعاونون داخل المدن والأحياء السكنية الذين باعوا العشرة والجوار بثمن بخس، دراهم معدودة…
تفرق الأهل والأحباب والجيران، منهم من غادر خارج الوطن، والآخر في ولايات السودان الأخرى لإيجاد ملاذ آمن… والقليل صمد طيلة الفترة العصيبة وأثر البقاء في منزله.. لسبب أو لآخر.
هذه بداية التفرق والبعد عن الأحباب.
دارت الأيام وحال الحول، وأتى رمضان، فقدنا فيه الاجتماعيات والإفطارات الأسرية، ومع الزملاء عامان فقدنا فيهما أقرب الأقربين إلينا وأعز الزملاء والأصدقاء، موت طبيعي وآخر بسبب نقص العلاج أو بأيدي البطش والبغي والعدوان…
رمضان بدون الأحباب ليس كعادته إن كنت في غربة عمل أو دراسة.
رمضان في زمان الحرب، كلٌّ منا في مكان ما، نشفق على الآخر، من الأهل والأصحاب…
وعلى مستوى الأسر المتواجدة في مناطق سيطرة العدو توتر وقلق دوماً لأفرادها فيما بينهم، إذا خرج أحدهم لقضاء غرض ولو على بعد أمتار، خوفاً عليه من الذل والبطش.
حزن متضاعف عند سماع نبأ وفاة قريب أو صديق بعيد عنا، حيث فقدنا تلك المواساة وتعازي بعضنا البعض…
مرت الأيام ورمضان أتى للعام الثاني، والوضع كما هو، والأيادي مرفوعة لله عز وجل أن ينصلح الحال وتنزاح الغمة ويجتمع الجميع من جديد.
استمر الكرب وتفاقمت الأوضاع، انقطاع تام للكهرباء وشح في المياه وتلوث إن وجدت، أمراض عدة، تخوف وحذر من الوصول لأماكن الاتصالات (استار لنك) لإجراء معاملة بنكية أو تواصل…
اعتداء ونهب متكرر للمنازل بقوة السلاح دون أي مراعاة للشهر الكريم، قابله صبر وثبات وعزيمة من المواطن.
جانب إيجابي: ترابط وتراحم بين أولئك الصامدين، وقفات لا تُنسى إبان تلك المحنة…
اشتد البلاء في أواخر شهر رمضان المنصرم، وحدثت المصيبة الكبرى: اعتقال الغالي أبوبكر حاتم في العشر الأواخر وعقب صلاة الجمعة، وكان الأمل بالله العظيم أن يعود لدياره من جديد، ولكن أقدار الله فوق كل شيء، ارتقى شهيداً بإذن الله تعالى…
وفي اليوم الأول من شوال، عيد الفطر المبارك، تتدافع الكثير من الجيران وأهل الحي مهنئين بالعيد ورافعين أيديهم سائلين الله عز وجل أن يفك أسر أخي ابن الحي التقي الورع، حمامة المسجد… الحمد لله، الحمد لله.
توالت المواجع بعد عيد الفطر، وفيات عدة، منها اغتيالات، موت بسبب المرض، إلى أن أكرمنا الله عز وجل بوصول الجيش العظيم…
أيام ويهل هلال الشهر الفضيل المبارك بدون الأحباب الذين فقدناهم في تلك السنين العجاف، أعز الناس من عم وعمة وخالة وأخ وصديق، كانوا يتمنون أن يعشوا لحظات الأمن والأمان والطمأنينة ويجتمع الشمل من جديد، لتكون تلك الأيام العصيبة ذكرى عابرة، إلا أنّ المولى عز وجل اختارهم لجواره.
يحن القلب لسماع صوتهم والجلوس معهم، ذكراهم بداخلنا، كلماتهم لم تبارح أذنينا، صورهم معلقة بالخاطر ومحفورة بالوجدان…
اللهم بلغنا رمضان لا فاقدين ولا مفقودين، وأن تزيد وتنعم علينا بفضلك وجودك وكرمك.. اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين وعاف مبتلانا، وأنزل علينا السكينة والأمان والاستقرار.
اللهم تقبل شهداء الواجب والوطن.
اللهم من كانوا معنا رمضان الماضي ورحلوا عنا، اللهم اغفر لهم وأنزل عليهم شآبيب رحمتك واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، وأرحمنا إذا ما صارنا إلى ما صاروا إليه…
اللهم آمين يا رب العالمين.
رحلوا وما أبقى الرّحيل متاعاً،
تركوا الحنين مع الأنين مشاعاً.
يا ليتهم قبل الرّحيل تريثوا،
حتى نعانق أو نقول وداعاً.
رباه، ما أقسى الفراق… وإنني
من يوم غابوا ما طرِبت سماعا.
لحن الرحيل من الأنين مواجع،
عُزفت بتذكارٍ يجىء سواعا.



