أعمدة

مات ( إرشيف) ود مدني المتجول

رحل هاشم، وانطوت معه صفحة باذخة من تاريخ “المنادي” الذي لم يكن يبيع ورقاً فحسب، بل كان يوزع الدهشة والأمل في أزقة ود مدني العريقة. غادرنا في خضم هذه الحرب اللعينة التي لم تكتفِ بالتهام المدن، بل امتدت يدها الغادرة لتخطف “ظرفاء المدينة” ورموزها الذين صاغوا وجداننا الشعبي عبر العقود، تاركةً خلفها صمتاً جنائزياً يلف الشوارع التي كانت تضج بضحكاته.

كان هاشم ذاكرة تمشي على قدمين، عاصر تقلبات الأزمان من وهج عهد النميري الذي شهد ريعان الشباب، وصولاً إلى مرافئ عهد البرهان وما بينهما من محطات تاريخية، فكان في كل حقبة يمثل خيط الضوء الذي يربط الناس بالحقيقة المغلفة بالود. لم يكن المانشيت على يديه جافاً أبداً، بل كان يمتلك كيمياء خاصة لاصطياد “الخبطات”، ثم يسكب عليها من روحه “شماراً وثوماً وكسبرة”؛ مبالغات محببة وتوابل لفظية تجعل من الخبر العادي ملحمةً تروى، ليخرج الخبر في ثوبٍ أنيق من الإثارة التي جعلت القراء يهرعون إليه، لا طلباً للورق، بل طلباً لتلك “القفشة” الساحرة التي كانت تفتتح نهارات مدني وتجعل من القراءة طقساً من البهجة والجدل الممتع.

لكن واأسفاه، كيف لهذه الحرب أن تطفئ بريق عينين طالما بحثتا عن العناوين المثيرة؟ وكيف لصوته الجهوري الذي كان يملأ الفضاء أن يخبو تحت وطأة السواد الذي خيم على كل مكان؟ رحل هاشم في زمنٍ عزّ فيه الورق، ولم يعد للخبر طعم سوى مرارة الفقد. مات “أرشيف” ود مدني المتجول، تاركاً في القلوب غصة، وفي الحلق جفافاً، وفي الطرقات فراغاً لا يملؤه إلا الحنين لزمنٍ كان فيه هاشم هو “المانشيت” الأبرز، والخبر الأجمل، والضحكة التي عصيت على النسيان.

رحم الله هاشم، الذي جعل من الحبر حياة، ومن “شمار” الحديث مودة، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، بقدر ما أمتع وأدهش وأحب الناس.

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى