مقالات

عاصم الأمين يكتب.. عندما تصبح رسوم الإمتحانات في الجزيرة سؤالاً أخلاقياً

 

لسنوات، ظل ملف رسوم امتحانات الشهادات في ولاية الجزيرة حاضراً في كتاباتنا، ليس كقضية عابرة، بل كعلامة استفهام كبيرة حول طريقة إدارة التعليم، وحدود العدالة بين الولايات، ومن يدفع ثمن ذلك كله في النهاية.

المقارنة مع ولاية الخرطوم ليست ترفاً صحفياً بل ضرورة. ففي الوقت الذي تُحدد فيه رسوم الشهادة الابتدائية في الخرطوم عند 25 ألف جنيه، تقفز في الجزيرة إلى 65 ألفاً. والمتوسطة من 30 ألفاً في الخرطوم إلى 70 ألفاَفي الجزيرة. أرقام لا تحتاج إلى تعليق بقدر ما تحتاج إلى تفسير.

العام الماضي، ذهبنا أبعد من الأرقام، وفتحنا ملف التكلفة الحقيقية. نزلنا إلى سوق مدني، سألنا أصحاب المكتبات والمطابع، ووقفنا على أسعار الورق والطباعة والتجليد. النتيجة كانت صادمة: الرسوم المفروضة على الطلاب تفوق تكلفة الطباعة الفعلية بما يقارب ثلاثة عشر ضعفاً. ثلاثة عشر مرة، لا هامش خطأ فيها ولا مبرر اقتصادي يدعمها.

هنا يتوقف النقاش عن «الرسوم» ويبدأ الحديث عن المنهج. هل تُدار الامتحانات باعتبارها خدمة تعليمية، أم كمورد مالي يُعوَّض به ضعف الإدارة وغياب التخطيط؟ وإذا كانت الطباعة، وهي العمود الفقري للعملية، لا تكلّف إلا جزءً يسيراً، فأين تذهب بقية المبالغ؟

الأخطر من الأرقام، هو الأثر الاجتماعي. أسرة في الجزيرة أنهكتها الحرب والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة، تجد نفسها مضطرة للاختيار بين تعليم أبنائها ومتطلبات الحياة الأساسية. هنا لا نتحدث عن فشل إداري فقط، بل عن كسر صريح لفكرة تكافؤ الفرص.

الصمت الرسمي طوال الفترة الماضية لا يقل فداحة عن الرسوم نفسها. فعدم الشرح، وعدم نشر التكلفة التفصيلية، وعدم فتح باب المساءلة، يترك الباب مفتوحًا للشك، ويحوّل التعليم من حق عام إلى عبء طبقي.

القضية في جوهرها ليست أرقاماً ولا جداول مقارنة، بل سؤال بسيط:
لماذا يدفع طالب الجزيرة أكثر، مقابل خدمة لا تختلف في جوهرها عن غيره؟.

وإلى أن يأتي الجواب، ستظل هذه الرسوم شاهداً على خلل أعمق من مجرد بند مالي.

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى