أعمدة

عامٌ فيه عاد الناس وتعافت الجزيرة.. تحايا واجبة في ذكرى التحرير

 

في مثل هذا اليوم، تنفّست ود مدني الصعداء، وانكسرت قبضة المليشيا المتمردة الإرهابية عن صدر حاضرة الجزيرة، لتبدأ صفحة جديدة في كتاب الألم والصبر والنهوض. لم يكن التحرير مجرد حدث عسكري، بل كان استعادةً للروح، وعودةً للمعنى، وإعلانًا بأن هذه الأرض لا تُكسر مهما طال ليلها.

التحية لمواطن الجزيرة الصابر المثابر، وهو يعود إلى قريته وبيادره، ينفض غبار الحرب عن الجدران والقلوب، وينفق من جهده وعرقه ليعود الماء إلى الحواشات، والحياة إلى القرى، كأنما يقول للأرض: ما زلت هنا، ولن أترككِ وحيدة.

التحية لوالي الجزيرة وحكومته، وهم يخوضون معركة من نوع آخر؛ معركة تطبيع الحياة، وإعادة النبض للخدمات: ماءً، وكهرباءً، وصحةً، وتعليمًا، وطرقًا. جهدٌ ثقيل في زمن شحيح، لكنه ضروري لتثبيت أقدام العائدين وبناء الثقة في الغد.

التحية للقوات المسلحة والقوات المساندة لها والمستنفرين، الذين كتبوا بدمائهم سطر الخلاص، ووقفوا في وجه مشروع الخراب، فحموا الأرض والعِرض، وأعادوا للجزيرة حقها في الأمان والحياة.

التحية للمناقل، وهي تحمل تبعات وتكاليف تسيير الأمور إبان سيطرة المليشيا على حاضرة الولاية، فتحت صدرها للنازحين، وتقاسمت اللقمة والهم، وكانت عاصمةً مؤقتة للوجع والصبر، حتى عادت مدني إلى أهلها.

التحية لقرى الصندوق وسرحان الصمود، وهي تتصدى للمتمردين، وتقف سداً منيعاً دون أرضها وإنسانها، فتُثبت أن القرى الصغيرة قد تكون أكبر من كل مشاريع الرعب.

التحية للبطانة، وهي تتعرض لأبشع أنواع الانتهاكات، وتبقى رغم ذلك واقفة، تحفظ كرامتها في قلب النار، وتؤكد أن الألم لا يصنع الانكسار، بل قد يصنع الصلابة.

التحية لود النور، وهي تزف شهداءها بقلوب مكسورة وظهور مرفوعة، وتضمد جراحها في واحدة من أبشع وأفظع الانتهاكات والمجازر التي سجلها تاريخ البشرية. ود النور التي واجهت الموت بسلاح الإيمان بالأرض، وقدّمت أبناءها قرباناَ للكرامة، ستظل شاهداَ حياً على وحشية المليشيا، وعلى عظمة الإنسان حين يختار أن يكون حراً ولو في مواجهة الفناء. ود النور لم تُهزم، بل كتبت اسمها في سجل الخلود، قريةً صارت رمزاً، وجرحاً صار ذاكرة وطن.

التحية للمنظمات الإنسانية وصناديق الحماية الاجتماعية، وفي مقدمتها صندوق التأمين الصحي، وكل الشركاء في العمل الإنساني، الذين حضروا في أحلك الظروف، وسدّوا فجوات الغياب، ومدّوا جسور الرحمة نحو المستشفيات والمراكز الصحية والقرى المنكوبة. بجهدهم عاد الدواء إلى الأرفف، وعادت الكوادر إلى مواقعها، واستعاد المريض حقه في العلاج وسط ركام الدمار. لم تكن مساهماتهم مجرد إغاثةٍ عابرة، بل كانت إعادة بناءٍ للأمل، وترميمًا لثقة الناس في أن الحياة ممكنة بعد الحرب، وأن القطاع الصحي يمكن أن ينهض من تحت الأنقاض، حين تتكاتف الأيادي وتخلص النوايا.

التحية لمواطن الجزيرة، من نزح وعاد، ومن لجأ لدول الجوار، من عاد ومن لم يعد بعد، لكل من حمل الجزيرة في قلبه أينما كان، وظل يحلم بالرجوع، ويعد الأيام حتى يرى بيته وحواشته وطريقه القديم.

عامٌ مضى منذ التحرير، لكنه ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها. عامٌ فيه عاد الناس، وبدأت الجزيرة تتعافى. وما بين الألم والأمل، تمضي هذه الأرض بخطَى واثقة نحو حياة تستحقها، لأن من صبروا عليها يستحقون أن تبتسم لهم من جديد.

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى