
لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: “نصرني الشباب عندما خذلني الشيوخ”، وهو الذي منح قيادة جيش كامل لأسامة بن زيد، رغم أنه كان في السابعة عشرة من عمره، في وقت كان فيه هناك قادة عسكريون ذوو خبرة. وهذا لا يقلل من شأنهم، بل يعكس الثقة في الشباب، الذين يمثلون عماد المستقبل وأمل الأمة. السودان، وما أدراك ما السودان، هذا الوطن الغني الذي يعاني من الفقر. للأسف، لا يتمتع بما تتمتع به دول أخرى ذات طبيعة قاسية وموارد قليلة، والتي أصبحت الان من ضمن الدول المتقدمة اقتصادياً، ليس فقط لأن قيادات تلك الدول أدركت أن المورد الحقيقي هو البشر، فركزت على تنميته وزرعت فيهم حب الوطن، مما جعل أوطانهم تزدهر كما خططوا. على عكس هذا الوطن الذي لم يستطع أحد أن يحدد أين تكمن المشكلة التي تجعله يتذيل قائمة الدول تحت خط الفقر، رغم ما يمتلكه من ثروات تحت الأرض وفوقها، من معادن ومياه وأراضٍ صالحة للزراعة. وكأن الله عز وجل خص هذا الوطن ليكون حلاً لمشاكل العالم، لو علم شعبه كيف يستغل ثرواته. آه من هذه المعاناة التي أتعبت النفوس، حيث يكاد حرصها على تقدم الوطن العزيز أن يقتلها. لكن ما رأيته في الحاضر الجاري قد يكون بذرة خير قادمة، إذا أحسنا استثمارها، فقد رأيت كيف يعمل العاملون في خزان سنار تحت قيادة شبابية تسعى للعمل من أجل الوطن. كانوا كالنحل، يحققون المستحيل في ظروف صعبة. هؤلاء هم العاملون في خزان سنار، الذي تم إنشاؤه في عام 1925 لأغراض متعددة، منها ري مشروع الجزيرة والمناقل وتوليد الكهرباء.
وقد أصبح جسراً يربط القرى شرق وغرب الخزان بمدينة سنار، التي تبعد عن العاصمة الخرطوم أكثر من 285 كيلومتراً. ما يجري الآن على أرض الواقع هو قيادة حكيمة بأيدي شبابية، حيث تمكن أحد المهندسين الشباب من القيام بأعمال صيانة وتأهيل توقفت لفترة طويلة ، ربما بسبب الحرب أو غيرها. شملت الأعمال صيانة أبواب ترعتي الجزيرة والمناقل، والتي يبلغ عددها 25 باباً، بالإضافة إلى صيانة 72 من الأبواب العليا بالخزان. لا يوجد شيء صعب على العقل السوداني إذا تم استغلاله بشكل صحيح. ما تحقق لم يكن ليتم لولا وجود مهندس شاب حرك المياه الراكدة، وأشعل الحماس في نفوس العاملين بالخزان، الذين استجابوا للنداء الوطني.
لقد قدم هؤلاء الشباب أرواحهم للخطر، مؤكدين أن الأوطان لا يبنيها إلا من يؤمن بها في ظل ظروف استثنائية. مما دفع هؤلاء الشباب العاملين في الخزان إلى المخاطرة بأرواحهم دون تردد، لكي تتمتع الجزيرة بمياه الري لكل فدان، يتنفس عزة وكرامة. بفضل الله وقائدهم المهندس سند ، تمكن هؤلاء الشباب من إنجاز صيانة متعددة، سواء كانت مدنية أو كهربائية أو ميكانيكية، على جسم الخزان في فترة زمنية قصيرة. منهم من كان يعمل تحت أعماق الخزان بعمق 60 مترًا، وآخرون فوقه بعشرات الأمتار، بالإضافة إلى آخرين يقومون بإزالة الأنقاض من أمام حرم الخزان. وكان المنظر رائعًا، مما يعكس عراقة العاملين في وزارة الري، التي تتحمل مسؤولية تأمين الغذاء وموارد المياه. فهذه الوزارة تحتوي في جوفها على عشرات الوزارات، لأن العامل فيها يعادل عشرات العاملين في وزارات أخرى، فهم الذين يواصلون العمل ليلًا ونهارًا في ري المشاريع المروية تحت مختلف الظروف، سواء كان ذلك في المطر أو الحر، وسط الأشجار والطين والوحل.
إن ما تم إنجازه في خزان سنار منذ بداية أبريل الماضي يؤكد أن القيادة عندما تكون بيد الشباب تختلف تمامًا عن القيادة عندما تكون بيد غيرهم. لذا، التحية لمن كان مفتاح الأمل القادم، والتحية للعاملين الذين أدركوا عظمة المسؤولية الوطنية والأخلاقية والاجتماعية. وأقول ذلك وقد شهدت بأم عيني روح التفاؤل وعظمة التعاون وجمال حب الوطن، وهم يرددون بأعلى أصواتهم “سنار أنا والتاريخ بدأ من هنا”.
نعم، إنه إنجاز في زمن قصير على جسر ضيق، لكنه لم يمنع تواصل أهل قرى شرق مدينة سنار مع مدينة سنار، إلا بفضل إدارة احترمت الوقت والإنسانية، مما جعل المواطنين يحترمون الإدارة.



