أعمدة
كوب ود الرضى ووداع أبوقرون!!

- لم ألتقِ بوالي نهر النيل محمد البدوي أبوقرون من قبل.
- ولم أكن حريصًا على ذلك برغم أنها ولايتنا، وبرغم كثرة مرات عودتي لها خلال سنوات الحرب، والسبب ما كنت أسمعه عن بابه المغلق في وجه الإعلاميين واكتفائه بإعلامه في نقل أخباره، ولكن فعلًا من سمع ليس كمن رأى، فعندما علم الرجل بوجود مجموعة من الصحفيين الراكزين بالبلاد وقنوات محلية وأجنبية جاءوا لولايته بدعوة من شركة زادنا، جعل في كلمته في احتفالها السنوي جزءًا كبيرًا للترحاب بنا ولدعوتنا لمقابلته قبل مغادرتنا لولايته للتعرّف علينا وشكرنا ووداعنا بنفسه.
- وفي اليوم الموعود حزمنا أمتعتنا وأخلينا مواقعنا وودعنا شركة زادنا مستضيفتنا لنغادر الولاية بعد وداعنا لواليها بارتشاف كوب شاي سريع معه، خاصة وأنه قد اختار قصر الضيافة مكانًا للوداع، وكنت الأكثر حرصًا على تقصير زمن الزيارة لنغادر الولاية قبل مغيب الشمس استجابة لرجاء السائقين بألا نتأخر حتى المغيب لصعوبة السفر ليلًا، وكلفني الزملاء بالإنابة عنهم في شكر الوالي والاعتذار له لاستعجالنا لظرف السفر.
- وشاءت الأقدار أن نأتي متأخرين ساعتين عن الموعد المحدد، مما أربك برنامج الوالي واضطره لمقابلة وفد الإدارة الأهلية المبرمج بعدنا، الشيء الذي جعله يتأخر علينا بعد مجيئنا وجعل وفدنا يتضجر تحت ضغوط السائقين بالإسراع للمغادرة.
- وبعد دخوله علينا في الصالون بادر الوالي بالاعتذار لتأخره ساعة علينا برغم تأخرنا نحن عن الموعد.
- فابتدرت أنا الحديث بشكره على اهتمامه بوداعنا، وطلبت منه أن نزور الولاية لاحقًا بترتيب قادم، وأن يسمح لنا بالمغادرة لسفرنا.
- وبدأ الوالي حديثه بشكرنا على المجيء لوداعه ونحن على سفر، معربًا عن تقديره للإعلام وللإعلاميين، مثمنًا دورهم في معركة الكرامة، موجهًا الدعوة لمن يتمكن منا لحضور مؤتمر نهر النيل الاقتصادي المرتقب الذي سيلتئم الأيام المقبلة بالولاية، مستعرضًا في عجالة تقديرًا لضيق وقتنا أهم ما تم بولايته في كل المجالات، بروح وطريقة فتحت شهية الزملاء الذين كانوا يستعجلون المغادرة للمداخلة، وكان ود الرضى أول المتداخلين، والذي بدأ حديثه الساخن باتهام الوالي بالفشل في التعامل مع النفايات، وقال إن أول عمود له سيكون بعنوان الولاية المتسخة، فقابل الوالي حديثه الساخن بنفس بارد، شاكراً له اهتمامه وملاحظته، مؤكدًا معالجتها عاجلًا، ودفعت الروح الحلوة والتواضع والأريحية التي تعامل بها الوالي معنا إلى إصرار بقية وفدنا للتداخل، وكنت كلما طلبت من الوالي السماح لنا بالمغادرة وقف أحدهم مصرًا على الحديث، وفي الموانسة تلك قال الوالي إن ولايته حرصت طوال الحرب على العمل بتوازن في حماية الولاية من اختراقات المليشيا، وتحمل أعباء النزوح الكثيف عليها بعد سقوط الخرطوم، وبين الاهتمام بخدمات مواطني الولاية وتنميتها، مستعرضًا ما تم بعقلية كمبيوترية في ذكر الأرقام في كل الجوانب، وكيف أنهم اهتموا باستقرار الدراسة منذ بداية الحرب، شارحًا مجهوداتهم الكبيرة في مختلف المجالات في ظل الظروف الصعبة التي كانت تعيشها البلاد والاستهداف المستمر للولاية، وعن قناعته بأداء العنصر النسائي الذي جعله يمثل (٥٠٪) من تشكيلها، لينتهي اللقاء تقديرًا لارتباطنا بسفر مكتوب ما بتأخر كما غنى إسماعيل حسب الدائم، بإصرار الرجل على وداعنا على بوابة القصر.
- في جانب التوفيق الزميل الصديق محمد عثمان الرضى في بعض ما كتب، وود الرضى الذي أعرفه عن قرب هو برغم شخصيته المصادمة في كتاباته داخله إنسان شهم المواقف ونبيل.
- اختلف معه كثيرًا حول طريقة كتابته، وفي قناعاته بأن الكاتب الذي لا يثير قلمه الغبار هو باشكاتب ضل طريقه، وأقول له إن ذلك يجعلك مشغولًا في كل مكان بتصيد الهفوات الصغيرة وجعل الحبة قبة، وإن لم تجدها تصنعها بنفسك، وكنت دائمًا أطلب منه أن ينظر للجزء المليء من الكوب في كل مكان مع الجانب الفارغ حتى يكون متوازنًا ولا يثير الغبار فيما لا يستحق لمجرد رغبته في أن يكون هناك غبار حول كل شيء.
- وأقول للذين لم يكونوا معنا وظنوا أن زادنا أو ولاية نهر النيل قد أكرمونا أن ظنكم صحيح إن كنتم تقصدون حفاوة الترحاب، أما غير ذلك فلا والله وربنا شهيد وأنتم لم تتبينوا.


