
يقول المثل الصيني: «لا تعطني سمكة، بل علّمني كيف أصطاد». بهذه الفلسفة تأسس معهد مدني الحرفي، فكان قبلةً لطلاب ولاية الجزيرة وعدد من الولايات الأخرى، يعلّمهم كيف يصنعون “الصنارة” بأيديهم، وكيف يحوّلون المعرفة إلى مهارة، والمهارة إلى مورد عيش كريم.
غير أن أيادي الغدر كانت له بالمرصاد، فبدأت حكاية المواجع والأحزان.
وفي عام أُعلن فيه التعليم التقني أولوية وطنية، ومع توجيهات وزارة التربية والتعليم بالاهتمام بالمدارس الفنية والتقنية وتوسيع مساحتها في خارطة التعليم، كان لا بد من الوقوف على واقع هذا القطاع ومعوقاته. إلا أن الصورة الأبلغ كانت في مأساة معهد مدني الحرفي، ذلك الصرح الذي ظل رمزاً شامخاً للتعليم الفني، قبل أن تعبث به الأيادي الآثمة إبّان اجتياح ولاية الجزيرة، فيتعرّض لتخريب ودمار واسع.
شيخ شيوخ المعاهد الحرفية بالسودان
مدير إدارة التعليم الفني بوزارة التربية والتعليم الأستاذ حميد حميدة مهاجر يؤكد أن معهد مدني الحرفي يُعد “شيخ شيوخ” المعاهد الحرفية في السودان، إذ سبق الولايات جميعها في استقبال الطلاب الباحثين عن المهارات والحرف.
ويشير إلى أن عدد المعاهد الحرفية في البلاد محدود، لذا كان معهد مدني ملاذاً آمناً لكل من أراد تقصير السلم التعليمي والحصول على حرفة تعينه على قسوة الحياة.
ويضيف أن همه الأول هو كيف يعود المعهد إلى سابق عهده، “دوحةً يستظل بها طلاب المهارات الحياتية”، مؤكداً أن عودة جزء يسير منه تعني إيجاد حل عملي لمعوقات التعليم الفني بالولاية، خاصة لما يتمتع به من سمعة طيبة وسيرة عطرة في الجزيرة والولايات الأخرى، فضلاً عن موقعه الاستراتيجي المهم لكل المجتمع.
وجع المكان… ووجع الطلاب
المدير الفني لإدارة التعليم الفني بالوزارة الأستاذ دفع الله محمد أحمد تحدث بوجع بالغ عن معاناة طلاب الحرفي في الوقت الراهن، مبيناً أنهم بحاجة إلى تدريب مستمر، وأنهم يتوزعون حالياً على مواقع مختلفة للتدريب، وهي مواقع تفتقر بدورها إلى الورش والخدمات اللازمة.
وأكد أن المعهد، بموقعه المتميز، يملك دوراً كبيراً في البناء والإعمار، وأن غيابه ترك فراغاً مؤلماً في منظومة التعليم الفني.
داخل المعهد… صورة الخراب
عند دخول معهد مدني الحرفي، تتجلى حقيقة بائسة تفوق الوصف.
خراب في كل ركن وزاوية:
حوائط مكسورة، فصول بلا أبواب أو نوافذ تقي من حر أو برد، وأخرى بلا سقوف، تقف جدرانها شاهدة على عصرٍ مضى.
لا ورش، ولا كراسٍ، ولا مقاعد لطلاب أو معلمين، إلا القليل المهترئ.
لا معامل ولا حواسيب كما كُتب على لافتاته، بل مسميات تزين حوائط كئيبة بخطوط جميلة فقدت روحها.
حتى العبارة الخالدة: «لا تعطني سمكة بل علّمني كيف أصطاد»، أكل عليها دهر الأسى وشرب.
هنا فقط تفهم معنى أن يُكتب على المكان:
«هنا كان معهد مدني الحرفي».
نداء من القلب
مشرفة التعليم الفني بمحلية مدني الكبرى الأستاذة حنان آدم تقول بتهنيدة عميقة:
“نناشد المسؤولين والخيرين والمنظمات المهتمة بالتعليم أن يتجهوا صوب معهد مدني الحرفي، فهو أبو المعاهد الحرفية في السودان. الإقبال عليه كبير، والأسر تثق فيه وفي إدارته ثقة عظيمة، وسمعته طيبة جداً.
المعهد يدعم الأسر والطلاب المتدربين والمصالح الحكومية. نطالب بصيانة الفصول والمكاتب، وإعادة الورش التي فُقدت بالكامل، فقد أصبحت داره خواء بعد عمار”.
تاريخ المعهد ورسالة البقاء
مدير معهد مدني الحرفي الأستاذ بابكر عبد الله بابكر تحدث بحس العارف بتفاصيل المكان.
أوضح أن المعهد أُنشئ عام 1980، وضم خمسة تخصصات أساسية:
السيارات، الكهرباء العامة، التبريد والتكييف، اللحام والتوضيب، والحاسب الآلي، إلى جانب المواد الأساسية.
يتم القبول بالمعهد بشهادة الأساس (الثامن) أو الشهادة المتوسطة، ليؤهل الناجحين للكليات التقنية ومنها إلى التعليم العالي، بينما يكتفي غير الناجحين بشهادة المعهد التي تفتح لهم أبواب سوق العمل بمهارات وحرف صناعية معلومة.
ويؤكد أن الإقبال على المعهد كبير جداً، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، إلا أن ما تعرض له كان مؤسفاً ومؤلماً:
“لم يبقَ فيه شيء… كل شيء تعرّض للسرقة، حتى أسقف الفصول. الورش كلها، ومعمل الحاسب الآلي، لم يتبقَ سوى جدران متشققة ومكسورة”.
ورغم ذلك، لم تقف الإدارة مكتوفة الأيدي، فبادرت بإعادة ترميم بعض الفصول حتى تستمر الدراسة ولا يُفقد الطلاب، على أمل أن تجد المناشدات أذناً صاغية، وتبدأ مسيرة إعادة المعهد إلى سيرته الأولى بنفرة كبرى يقودها مسؤولو الولاية والمهتمون بالتعليم الفني وكل الخيرين.
مناشدة أخيرة
باسم معهد مدني الحرفي، وبصوت مشرفة التعليم الفني بمحلية مدني الكبرى الأستاذة حنان آدم، وباسم كل أسرة العاملين بالمعهد، تتجدد المناشدة:
- المعهد في حاجة ماسة إلى الإجلاس المدرسي.
- في حاجة إلى إعادة الورش.
- في حاجة إلى مكان آمن، ولو من أجل الجلوس للامتحانات القريبة.
فلا يعقل أن يمتحن الطالب في مكان آخر لا يخصه، لما لذلك من أثر على أمن الامتحان واستقرار الطالب النفسي.
معهد مدني الحرفي ليس مجرد مبانٍ، بل ركيزة لاستقرار الأسر وتحقيق أمنها المعيشي، ومنصة تؤهل للدراسات المتقدمة لمن يرغب.
هلموا يا أبناء مدني…
شمروا عن ساعد الجد، ولتكن وجهتكم:
إعمار وبناء معهد مدني الحرفي…
أبو المعاهد الحرفية في السودان،
ليعود شعاره حيّاً على جدرانه:
لا تعطني سمكة، بل علّمني كيف أصطاد سمكة.




