
واجه ديوان الزكاة بولاية الجزيرة تحديات غير مسبوقة إثر نهب المليشيات لممتلكاته ومزارعه، ما شكل تهديدًا لاستمرارية خدماته للمواطنين.
في هذا التقرير، نستعرض حجم الخسائر، والجهود المبذولة من الأمين مولانا عصام موسى وفريقه لاستعادة العمل، وضمان استمرار الدعم المالي والإنساني، مع إبراز دور الزراعة كمحرك رئيس لاستقرار أموال الزكاة.
كما نسلط الضوء على تجربة محلتي المناقل و24 القرشي كنموذج للصمود والإدارة الفاعلة رغم الظروف الصعبة، مؤكدين قدرة الديوان على التحول من الخراب إلى إعادة البناء والخدمة المجتمعية.
نهب شامل ودمار كامل
كشف مولانا عصام موسى، أمين ديوان الزكاة بولاية الجزيرة، عن حجم الدمار الذي خلفته المليشيا المتمردة عقب دخولها ود مدني، مؤكدًا أن التمرد لم يُبقِ على أي شيء من ممتلكات الديوان. وقال إن المليشيا نهبت كل ما وقع تحت أيديها، حتى كراسي الموظفين والأبواب والشبابيك، مشيرًا إلى أن الخسائر شملت 23 عربة بكاسي، و11 تراكتورًا جديدًا، و24 موترًا، إضافة إلى طمس الأرشيف الإداري للديوان بالكامل، مما تسبب في فقدان البيانات والمستندات المالية والتنظيمية.
تحطيم المزارع وطمس الذاكرة
أوضح الأمين أن المزارع التابعة للديوان والمزارع الرديفة تم تدميرها بالكامل، لتتحول إلى أرضٍ خالية تلعب بها الريح، مشيرًا إلى أن ذلك شكّل ضربة قوية لمشروعات الزراعة الإنتاجية التي كانت تمثل أحد أعمدة تمويل الزكاة بالولاية. وأضاف أن الأمانة العامة للديوان في الخرطوم قدمت دعمًا ماليًا عاجلًا ساعد على إعادة تشغيل ست محليات تضررت بشكل كامل، مؤكدًا أن العمل الإداري والمالي عاد تدريجيًا إلى سابق عهده بجهود العاملين وإسناد الحكومة المركزية.
استعادة الممتلكات المنهوبة
وذكر مولانا عصام أن الجيش السوداني، عقب تحرير ود مدني، وجد بحوش الديوان كميات كبيرة من عربات المواطنين والتراكتورات والسماد، تم تسليمها لأصحابها عبر الشرطة والنيابة، مشيدًا بتعاون الأجهزة العدلية في توثيق هذه الممتلكات واستردادها لأصحابها.
دعم مالي وإنساني من الأمانة العامة
أكد أمين الزكاة بالجزيرة أن الأمانة العامة للديوان قدمت دعمًا ماليًا سخيًا مكّن من استعادة العمل في المحليات الست المتضررة، كما وفرت مساعدات إنسانية وغذائية ضخمة للمواطنين بعد التحرير، تضمنت كميات من الذرة والثلال الغذائية. وأشار إلى أن الدعم امتد ليشمل الفرقة الأولى مشاة والتشكيلات المساندة التي ساهمت في تحرير الولاية، بجانب دعم المستشفيات والأطراف الصناعية ومراكز الكلى بمبلغ عشرة ملايين جنيه، مع وعود بمزيد من الدعم خلال المرحلة المقبلة.
الزراعة مفتاح الاستقرار
وشدد مولانا عصام على أن الزراعة تمثل الركيزة الأساسية لاستقرار أموال الزكاة بالولاية، لافتًا إلى أن الموسم الزراعي الحالي مبشّر، والحصاد سيبدأ خلال أيام قليلة، الأمر الذي سيسهم في تعزيز الموارد وتحسين مستوى الجباية.
المناقل و24 القرشي.. نموذج في الصمود
أشاد أمين الزكاة بأداء محليتي المناقل و24 القرشي اللتين لم يدخلهما العدو، مؤكدًا أنهما مثّلتا الولاية تمثيلًا مشرفًا في أحلك الظروف، واستمر العمل فيهما دون انقطاع، وهو ما ساعد في حفظ جزء من موارد الديوان.
تحقيق الربط المالي رغم الحرب
أعلن مولانا عصام موسى أن ديوان الزكاة بالجزيرة تمكن — رغم الظروف القاسية — من تحقيق الربط المالي المقرر منذ يوليو الماضي، والبالغ 11 تريليونًا و200 مليار جنيه بالقديم، بل تجاوز ذلك الرقم، وهو إنجاز غير مسبوق منذ ثلاثين عامًا.
استمرار الخدمات رغم التحديات
أكد الأمين أن خدمات الزكاة لم تتوقف رغم الحرب، خاصة برامج العلاج ودعم الأسر الفقيرة، موضحًا أن الدعم تناقص قليلًا بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية، إلا أن العمل ما زال متصلًا وفق خطة طوارئ متدرجة.
بين الخراب والرجاء.. ديوان يصنع الأمل من رحم الألم
ما جرى في ديوان الزكاة بولاية الجزيرة قصة بلدٍ لم تنكسر إرادته رغم الخراب والنهب والدمار. فوسط ركام المكاتب المحطمة وملفات الأرشيف المفقودة، تبرز إرادة العاملين والداعمين كأنها زهرة عنيدة نبتت في تربةٍ محترقة.
الرسالة التي بعث بها مولانا عصام موسى، أمين الزكاة بالجزيرة، لم تكن مجرد رواية عن الخسائر، بل شهادة على قوة الروح السودانية في مواجهة النكبات، وقدرتها على تحويل الانكسار إلى دافع للبناء من جديد.
فالزكاة — التي وُجدت لتداوي الفقر وتسد الحاجة — صارت في الجزيرة أيضًا رمزًا للصبر والمقاومة وإعادة الحياة، بعد أن انهارت مؤسسات وتفككت موارد. ومن خلال الدعم المتصل من الأمانة العامة، والجهد المحلي المنضبط، أعاد الديوان تشغيل محلياته واستعادة خدماته في وقتٍ قياسي.
وهكذا، فإن تجربة الزكاة بالجزيرة لم تعد مجرد تجربة إدارية، بل قصة صمود اجتماعي وأخلاقي، تثبت أن مؤسسات الخدمة العامة — حين يقودها الإيمان بالوطن والناس — يمكن أن تكون أول من ينهض من تحت الركام، وأول من يعيد للناس الثقة بأن الغد أفضل مهما اشتدت العتمة.




