أعمدة

ودمدني.. الصمود والأمل

 

في فؤاد كل مدنيٍ ونبض، تسكن رواية عشق خالدة، حكاية مدينة اسمها ودمدني، ما كانت يومًا قط بقعة جغرافية محفورة على الخريطة، بل روح تنبض في القلوب، نبضًا لا يتوقف، حتى في أحلك الظروف وضراوة المواقف وأقساها..

فبعد الدمار الممنهج الذي طالها على أيدي من خانوا ترابها، ودنسوا محرابها، وأسكتوا صوتها الجميل (ابتسم: أنت في ودمدني)، ظن البعض أن روح المدينة قد خبت، وأن حب أهلها قد فتر. لكنهم لم يدروا أن حبها يتجاوز الخراب، ويسمو فوق الدمار والجراح والإحباط.

جزعت قلوبنا أن رأينا بأعيننا كيف تحولت الأحياء المزدهرة كبرج سماوي إلى ركام، وكيف صمتت قباب وزوايا وتكايا لنازحين أتَوْها، وصلوات، ومنتديات، وشوارع كانت تعج بالحياة، وكيف تبعثرت أحلام رسمها أهلها داخل إطار محفور بالأمل، وبعرقهم وكفاحهم.

كان القصد واضحاً: كسر شوكة المدينة، ملهمة الملايين وصوت أحرار السودان، تدمير بنيتها، ومحاولة قتل روحها النابضة. ولكن هيهات! فما حدث لم يزِد أهل ودمدني إلا تعلقا بها، وإيماناً راسخاً بأنها ستنهض من جديد، تحمل قيمها التي آمنت بها الأجنة في بطون أمهاتها قبل شيوخها وكهولها وصباياها، والأطفال، والنساء، تحت نفس الشعار (ابتسم: أنت في ودمدني) بأقوى وأجمل.

نعم، بدأت بوادر التعافي تلوح في الأفق. مياه الشرب النظيفة، وتحسن شبكة الكهرباء أكثر فأكثر، وفي المجالات الإبداعية، عادت أصوات الفن تصدح، والبروفات تنشط في دار المبدعين جوار المسرح، وريشة الرسام ترسم الأمل القادم، وقلم الكاتب المحقق ينسج قصص الصمود. وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأ النشاط التجاري يدب رويداً رويداً.

 

وورش الصناع والحرفيين تعود للحياة، مدفوعة بعزيمة لا تلين لإعادة بناء ما تهدم. وحتى سياسيا يترقب الجميع بفارغ الصبر عودة باقي مؤسسات الدولة لتضطلع بدورها في استعادة الأمن والاستقرار، ووضع لبنات تليق بهذه المدينة المتفردة الصامدة.
ودمدني ليست مجرد مدينة، ولا تشبهها مدينة أخرى، إنها فكرة. فكرة الصمود، والتحدي، والحب الذي لا يهزمه شيء. هي مثال حي على أن الإنسان يمكنه أن يبني من الركام، وأن يزرع الأمل في قلب اليأس.

 

ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا ومحفوفًا بالمكاره والعراقيل والمطبات، فإن كل خطوة يخطوها أهل ودمدني نحو التعافي، هي دليل على أن هذه الملهمة الأبية لن تركع، ولن تستسلم. إنها تنتظر المزيد، وتتطلع إلى غدٍ مشرق يعيد لها بريقها، ويجعلها أجمل مما كانت.
ودمدني… وما أدراك ما ودمدني…

سنظل نحبك، وسنظل نبنيك، حتى تعودي درة ومنبعًا أصيلًا للعلوم، والآداب، والاقتصاد، والسياسة، والرياضة، والدين من جديد.

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى