تقارير

(١٠) أيام في القضارف.. مشاهد وحكايات

القضارف:الجزيرة نيوز

 

الوالي يرفض الحوار ويقول: احكموا علينا بما ترون وتسمعون من المواطنين

القضارف ترفع شعار أنظف المدن وبلديتها تحوّل الشعار إلى واقع

الشركة الصينية تهزم أشواق المواطن في حل مشكلة المياه والولاية تشرع في الحلول البديلة

ثورة في الطرق وقفزات زراعية وتعليمية وتحديات تنتظر

زرْتُ ولاية القضارف عدة مرات من قبل، وكنت أخرج في كل مرة بانطباع واحد: ولاية تمتلك كل مقومات النهضة من موارد اقتصادية متنوعة وإنسانٍ راغب في التطور، لكنها – رغم ذلك – لم تُفلح في تحقيق التحول المنتظر. ولم أتوقع عندما عدتُ إليها بعد غياب دام عامين أن يتغير انطباعي، خاصة وأنني لم أشاهد أو أسمع واليها الفريق محمد أحمد حسن يكثر من الظهور الإعلامي كما يفعل بعض الولاة. هكذا كان ظني قبل أن أزورها قبل أيام، وأقيم فيها أياماً تجولت خلالها في أسواقها ومقاهيها وتنقلت بوسائل نقلها العامة، مستمعاً لحديث أهلها ومشاهداً على أرض الواقع ما يجري، وملتقياً بعدد من مسؤوليها، بينهم الوالي نفسه.

اعتذار الجنرال
وقد اعتذر لي الجنرال الوالي محمد أحمد حسن – بلطف – عن إجراء حوار، مبرراً بأنه يريد أن نحكم عليه بأعماله لا بأقواله، وأن يقف الصحفيون بأنفسهم على ما يجري بالولاية، فيكتبوا عن الإنجازات لتدعيمها، وعن القصور لمعالجته ما أمكن. مشدّداً على ضرورة سماع صوت المواطن الذي جاءت الحكومة من أجله. هكذا تحدث إليّ ابن منطقة “الشواك” القريبة من مدينة القضارف، والذي يحب أهل الولاية أن يلقّبوه بابن الشواك، وللرجل خبرات سابقة؛ فقد كان معتمداً بالولاية، وعُرف بالحزم والشفافية والوضوح.

نظافة المدينة… مشهد أول
وأول ما لفت نظري في المدينة نظافتها.. فقد رأيت عمال النظافة – من الجنسين – بزيهم المميز يعملون ليل نهار وفق ورديات منظمة وبهمة لم أشهدها في ولاية أخرى، وبأعداد كبيرة تنتشر في كل المساحات. وعلمت أن الوالي، عقب تسلمه مهامه، رفع شعار: (لا بد أن تكون القضارف أنظف مدن البلاد). وقد حولت بلدية القضارف الشعار إلى واقع عبر الاستعانة بالخبير د. مصعب برير، الذي كان مسؤولاً عن تعزيز الصحة بولاية الخرطوم، والذي عمل مع البلدية على تغيير الذهنية تجاه المهنة لتصبح جاذبة، ولتصبح أوضاع العاملين فيها أكثر راحة واحتراماً.

وحكى لي العاملون أن التجار والجهات المختلفة يقدمون إليهم هدايا يومية تقديراً لجهودهم التي غيّرت وجه المدينة، كما تمنحهم البلدية رواتب مجزية مع حوافز ووجبة يومية وترحيل وأدوات سلامة، إضافة إلى دورات تدريبية للمحافظة على صحتهم في تعاملهم مع النفايات. وهذا الإنجاز الكبير عجزت عنه ولايات ذات إمكانات مثل ولاية البحر الأحمر.
ورغم أن النازحين من أصحاب رؤوس الأموال الذين وفدوا إلى القضارف لم يشيدوا منشآتهم الخدمية بحجم ما حدث في كسلا أو عطبرة، إلا أنها – رغم قلتها – أضفت لمسة جمالية على السوق من حيث العرض وتنوع المعروضات وزيادة الحيوية. كما ظهرت بالمدينة البازارات كمساحات لعمل النساء، ونجحت البلدية في تخصيص مظلات لبائعات المنتجات المحلية في أماكن منظمة.. ويندر أن تجد بائعات الشاي داخل السوق، خلافاً لما يحدث في الولايات الأخرى.

شارع الستين… الإنجاز الذي استعصى على من سبق
أما الإنجاز اللافت الذي عجزت عنه حكومات الولاية المتعاقبة منذ أن وضعه الوالي الأسبق د. عبدالرحمن الخضر في المخطط الهيكلي، فهو شارع الستين. هذا الشارع الرابط لطريق كسلا – القضارف القومي بالطريق القاري الممتد عبر إثيوبيا حتى جنوب أفريقيا. فقد اكتملت ردمياته وفق مواصفات عالية مع إنشاء (٨) معابر عليه، والذي تبلغ تكلفته الإجمالية – كما علمت – نحو (٥٦) مليار جنيه. وسيتيح اختراقه للمدينة فرصاً واسعة للاستثمارات الخدمية على جانبيه، إضافة إلى الخدمات المقدمة للمواطنين، كما سيضفي لمسة جمالية وحيوية للمدينة.

ولم تتوقف حكومة الولاية عند ذلك.. فعمليات السفلتة تتواصل يومياً ببلدية القضارف، وقد بدأت قبل الخريف واستؤنفت بعده لإنشاء (٢٥) كيلومتراً طولياً من الطرق الأسفلتية، إضافة إلى (١٥) معبراً.

قفزة الطرق الزراعية
وأكد لي عدد من المزارعين – بينهم عثمان الشريف – سعادتهم بالإنجاز غير المسبوق الذي حققه لهم الوالي، منهياً معاناة طويلة في الوصول إلى المشروعات الزراعية خلال الخريف، بعد أن تم ربطها لأول مرة في تاريخها بشبكة طرق يبلغ طولها (٣٧٠) كيلومتراً.

وامتد الاهتمام بالطرق ليشمل محليات أخرى، إذ أُنشئت طرق جديدة في محلية القلابات الغربية بمنطقة كرش الفيل بانجديو، إضافة إلى طرق تتجاوز (١٠٠) كيلومتر بقلع النحل. كما أُعيد تأهيل طرق مهمة مثل طريق قرى ستيت الرابط بين الشرق والحدود الإثيوبية، إضافة لتدخل الولاية لمنع انقطاع طريق الفاو – المفازة – الرهد الاتحادي خلال الخريف.

التعليم… تريليونات من أجل المستقبل
وفي مجال التعليم، أولاه الوالي اهتماماً خاصاً، إذ تم – حسبما علمت – صرف (٧) تريليون جنيه على العملية التعليمية هذا العام. وتم حل شكاوى المعلمين من عدم الحصول على مرتباتهم شهرياً، ويتم الصرف الآن لهم وفقاً للهيكل الجديد.
كما صادق الوالي على تشييد (٦٠) شقة للمعلمين بالقضارف، وأعلن استعداده لمنح غير الراغبين في الشقق منازل بديلة، ووجه بإنشاء مجمعات للمعلمين في بقية المحليات.

وفي إطار دعم التعليم، أُنشئ صندوق لدعم التعليم – وهو الأول من نوعه على مستوى الولايات – والذي تمكن عبر استثماراته من توفير احتياجات التعليم لكل المراحل، كما تعاقد مؤخراً لاستجلاب مطبعة حديثة ستصل خلال أيام.

الصحة والثقافة والإعلام… ملفات تتحرك
وتجتهد الولاية في الارتقاء بالقطاع الصحي، وهو أحد تحدياتها المقبلة، بعد نجاحها في إعادة تأهيل مستشفى الكُلى بالفشقة، ومجمع النساء والتوليد بغبيشة، ومستشفى دوكة، بجانب جهود أخرى داخل مدينة القضارف.

أما في الجانب الثقافي والإعلامي، فتشهد الولاية هذه الأيام صيانة مسرح القضارف الذي يعد من أكبر المسارح في البلاد، إلى جانب تأهيل محطة البث الإذاعي، والبدء في برامج تدريب للإعلاميين.

مياه القضارف… التحدي الأكبر
ويبقى التحدي الأكبر أمام الوالي وحكومته – بعد كل هذه الإنجازات – حل مشكلة مياه القضارف، والتي كادت أن تقترب من نهايتها عبر الحل الجذري لولا المفاجأة التي فجرتها الشركة الصينية بانسحابها المفاجئ بحجة الوضع الأمني، وذلك بعد أن أنهت تركيب كل الأجزاء الأساسية للمشروع ولم يتبقَّ سوى تركيب البوابات وربط الخط الشمالي.

ليجد الوالي نفسه أمام تحدٍ كبير، جعله يوجه الجهات المختصة بولايته ببذل كل ما يمكن بالموارد الذاتية. وقد نفذت الوزارة – وفق إفادات مسؤوليها – خطوات واسعة لتأمين صيف مستقر، وتواصل العمل دون انتظار للشركة الصينية التي إن عادت فسيُستكمل المشروع سريعاً وفق ما تبقى منه.

لا أغادر القضارف هذه المرة بانطباع مختلف، وهكذا تصنع الهمة التغيير.

الجزيرة نيوز

موقع الجزيرة نيوز هو واحد من أبرز المواقع الإخبارية في السودان والعالم لعربي يتميز بتقديم الأخبار بموضوعية واحترافية، مع التركيز على تغطية الأحداث العالمية والمحلية بأدق التفاصيل وأحدث المعلومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى